حاول البعض التخلص من استبداد النظام الحاكم, ناسين أو متناسين استبداد المجتمع, استبداد الأبوين مع أبنائهم, والمدرس مع طلابه, والمدير والمتبوع مع تابعيه, واستبداده هو كذلك, مع ما حوله!
كثير منّا, خاصة الأجيال الجديدة, لم يتعاملوا مع أنظمة الاستبداد مباشرة, فقد عاشوا في مجتمع بناه أهاليهم, مدارسهم, جامعاتهم, شركاتهم ومصانعهم, فلم يصلهم من استبداد النظام ما وصل غيرهم, إنما وصلهم ما أنتجه استبداد أفراد مجتمعهم, ومنظماته!
كثير منّا, خاصة الأجيال الجديدة, لم يتعاملوا مع أنظمة الاستبداد مباشرة, فقد عاشوا في مجتمع بناه أهاليهم, مدارسهم, جامعاتهم, شركاتهم ومصانعهم, فلم يصلهم من استبداد النظام ما وصل غيرهم, إنما وصلهم ما أنتجه استبداد أفراد مجتمعهم, ومنظماته!
ربما يرحل عنا المستبد, القابض على رقابنا اليوم أو غدًا, فهل سنقوم إلى الحركة, إلى البناء والتعمير, هل سيكون شعورنا حينها كمن حَرّر – مُدركًا – نفسه من قيود الاستعباد, أم سنكون كمن تحرر لكنه لم يدرك ذلك, فظل مكانه متخيلاً وجود القيد!
نعم, ما زال البعض مقيدًا بأغلال الماضي, يتعامل مع الواقع – وقد تغير جزء منه – كما كان يتعامل قبل الثورة؛ بعقلية المحكوم, المقهور, المقيد, الخائف, حساباته المعقدة خلقت له أعداءً وهميين, يرى عباءته لصُا, وظله قاتلاً, وصداه متربصًا, وهو على حالته, يرجو الكسب, ويخشى الفقد!
وأنا كنت كغيري, أحمل أفكارًا سلبية أقعدتني, وأخرى إيجابية أثَّرَت في مجرى حياتي, حَمَلتُها عبر وسائل عديدة, أهمها ما تعلمته على يد ثلة صبرت وعملت وضحّت, ثلة علمتني الكثير مما كنت أحتاجه, ولكن, بعد ذلك, كانوا أوَّل من حطَّم الفكرة, وتجاوز المبدأ, وهو هو من شرحه لي, وزرعه في ثنايا عقلي وروحي!
إلا أني, ما زلت أذكر يومها, يوم حررني من تلك القيود استنشاقي الغاز المسيل, ولسعة الرصاص المطاطي, وصدى الرصاص الحي.
ذلك اليوم, وفيه أصيب كثيرون في عيونهم وأجسادهم, وفيه أصبت في قلبي, يوم أن شعرت بما لا يمكنني وصفه, حتى بعد مرور عام عليه, حينها بكيت, وداريت دموعي بالدموع التي أسالتها القنابل!
وكنت قد قنعت قبلها أنَّ التغيير لم يعد ممكنًا, وتعلمت كيفية العيش بإيقاعٍ في ظاهرهِ الحرية, وفي باطنه خنوع وتسليم, واستسلام لعباد لم يراعوا العيش أو العدالة الاجتماعية!
ومنذ ذلك اليوم, وحتى يومنا هذا, مررت بمشاعر عديدة, كان أسوأها يوم شعرت أننا بدأنا الاستمتاع بغنائم الثورة, فغادر الرماة الجبل قبل أن تحقق أهدافها, وقبل أن يعود الحق سالمًا منتصرًا إلى أهله!
فكان أن رأيت شرذمة التفّت على الثوار, وتركتهم مشغولين في مكاسب وخسائر, وأحزاب وجماعات, وأخذت تنهش في اللب الصلب للثورة, محاولة تحطيم رمزية الميدان, ومصداقية الثوار, مروجة لاستقرار مزعوم!.. ثم جاءوا بعد ذلك يلبسون ثياب الشرف والكرم والإجارة, وهم في الحقيقة شرذمة من أصحاب الأيادي الملوَّثة والقلوب المنتنة, لحومهم تربَّت على بدل الولاء للحكام الفاسدين, ولكنهم يُؤكدون لنا أنَّهم غيرهم, وأنَّ فِعلهم إنما هو لمصلحتنا التي لا نعرفها, فقتلوا منا الشاب والشيخ, واعتدوا على المرأة والطفل!
ثم رأيت الثورة تُتخذ من قِبَل البعض مطيَّة, ومن قبل البعض ستار, ومن قبل البعض عرض مستباح قابل للاغتصاب, وأعظم الضلال حين شهد على ذلك الاغتصاب, بعض ممَّن ظنَّ الثوّار أنهم منهم, ولكنهم اندفعوا وراء بعض المكاسب عظيمة المظهر, ضعيفة الجوهر, التي لن تحقق لهم إلا ما حققته تجربة ثورة الشرذمة الأولى!
ومنذ ذلك الحين, لم أشعر بتلك المعاني إلا سويعات قليلة, كان مصدرها, ثلة باقية على الثورة!
ثلة لديها في أجهزتها الحيوية جهازًا يستشعر الحرية, والعدالة, والكرامة, والحب, يستشعر درجة تحقق كل منهم, تحاول أن تضبط مسار الثورة, تحاول أن تشرح للآخرين ما لا يمكن تفسيره!
ربما لا نرى العقل لكننا نؤمن بوجوده, ربما لا نرى قيم الحرية والعدل, لكننا نؤمن أنها موجودة, وأنها تستحق, وأنها ستتحقق يومًا.
الثائر, ذلك الذي صنع ثورة فرحنا بها, ليس شخصا يمر بحالة شعورية ثورية عابرة, إنما هي حالة حياتية لا يمكنه التخلي عنها, حالة إما أن تنتج تغيير وإصلاح حقيقي, أو شخص مكتئب أو غير مبالي!
لا أخفيكم سرًا, فاللائمة لا تقع على عاتق المستبد وحده, إنما يقع على عاتقنا منها الجزء الأكبر, فإنما قيد المستبد كان على الرقاب, إنما قلوبنا وعقولنا لم يكن له عليها سلطان, فهي ملك لله!
أما من استسلم للمستبد, وأنفذه في عقله وقلبه, فإنه لا يلبث إلا ويتحول إلى مجرد جثة هامدة, جثة ليس فيها أي إرادة للعيش, للعمل, للحياة!
هذه الجثة تظل في الحياة مدفوعة دون أمل, هي كالورقة الذابلة, التي ألقتها الريح من شجرة مخضرة, في فصل غير فصل الخريف, فعلقت في قدم طفل مندهش, أو شوكة شيخ يلملم ما تساقط من تلك الشجرة, فتنتقل من حال إلى حال, ومن مكان إلى مكان, عبر زمان يلعنها, ورداء كالكفن يعزلها, منزوعة الروح, وفي يوم ما تجدها ملقاة كنافقة البُهُم!
أفضل من قابلتهم في حياتي, نجومهم تدور في فلك الثورة, أولئك الباحثون عن الحقيقة, الذين لا ينتمون إلا لها, لا ينتصرون لرأيهم إنما ينتصرون للحق, ليس لديهم أي مانع في أن يسلموا بخطأ ما قالوه يومًا, بل يسعدوا أن يتعلموا من غيرهم أو يجدوا لديه ما لم يستطيعوا الوصول إليه, منفتحين على كل الاتجاهات, وكل المذاهب, وكل التيارات, يأخذون من الجميع خيرهم, ويتركون شرَّهم..
..أوَّابون توَّابون, ارتبطوا بخالقهم فكرة وشعورًا, يحمدونه أن وفقهم للفكرة, ويستغفرونه إن أخطأوا الشعور والمسير.. هم أقرب للمزارع الذي يلقي البذرة, ثم يعكف على حمايتها, وسقايتها, وهو رافع يده إلى السماء يدعو ربهما أن ينبتهما نباتًا حسنًا, وأن يكفّله رعايتها, أو يكفلها لمن يرعاها..
هم لا يملوا أو يكلوا من القول والعمل, هدفهم واحد, وشعارهم: الثورة مستمرة, حتى تعود الأرض حرّة!
نعم, ما زال البعض مقيدًا بأغلال الماضي, يتعامل مع الواقع – وقد تغير جزء منه – كما كان يتعامل قبل الثورة؛ بعقلية المحكوم, المقهور, المقيد, الخائف, حساباته المعقدة خلقت له أعداءً وهميين, يرى عباءته لصُا, وظله قاتلاً, وصداه متربصًا, وهو على حالته, يرجو الكسب, ويخشى الفقد!
وأنا كنت كغيري, أحمل أفكارًا سلبية أقعدتني, وأخرى إيجابية أثَّرَت في مجرى حياتي, حَمَلتُها عبر وسائل عديدة, أهمها ما تعلمته على يد ثلة صبرت وعملت وضحّت, ثلة علمتني الكثير مما كنت أحتاجه, ولكن, بعد ذلك, كانوا أوَّل من حطَّم الفكرة, وتجاوز المبدأ, وهو هو من شرحه لي, وزرعه في ثنايا عقلي وروحي!
إلا أني, ما زلت أذكر يومها, يوم حررني من تلك القيود استنشاقي الغاز المسيل, ولسعة الرصاص المطاطي, وصدى الرصاص الحي.
ذلك اليوم, وفيه أصيب كثيرون في عيونهم وأجسادهم, وفيه أصبت في قلبي, يوم أن شعرت بما لا يمكنني وصفه, حتى بعد مرور عام عليه, حينها بكيت, وداريت دموعي بالدموع التي أسالتها القنابل!
وكنت قد قنعت قبلها أنَّ التغيير لم يعد ممكنًا, وتعلمت كيفية العيش بإيقاعٍ في ظاهرهِ الحرية, وفي باطنه خنوع وتسليم, واستسلام لعباد لم يراعوا العيش أو العدالة الاجتماعية!
ومنذ ذلك اليوم, وحتى يومنا هذا, مررت بمشاعر عديدة, كان أسوأها يوم شعرت أننا بدأنا الاستمتاع بغنائم الثورة, فغادر الرماة الجبل قبل أن تحقق أهدافها, وقبل أن يعود الحق سالمًا منتصرًا إلى أهله!
فكان أن رأيت شرذمة التفّت على الثوار, وتركتهم مشغولين في مكاسب وخسائر, وأحزاب وجماعات, وأخذت تنهش في اللب الصلب للثورة, محاولة تحطيم رمزية الميدان, ومصداقية الثوار, مروجة لاستقرار مزعوم!.. ثم جاءوا بعد ذلك يلبسون ثياب الشرف والكرم والإجارة, وهم في الحقيقة شرذمة من أصحاب الأيادي الملوَّثة والقلوب المنتنة, لحومهم تربَّت على بدل الولاء للحكام الفاسدين, ولكنهم يُؤكدون لنا أنَّهم غيرهم, وأنَّ فِعلهم إنما هو لمصلحتنا التي لا نعرفها, فقتلوا منا الشاب والشيخ, واعتدوا على المرأة والطفل!
ثم رأيت الثورة تُتخذ من قِبَل البعض مطيَّة, ومن قبل البعض ستار, ومن قبل البعض عرض مستباح قابل للاغتصاب, وأعظم الضلال حين شهد على ذلك الاغتصاب, بعض ممَّن ظنَّ الثوّار أنهم منهم, ولكنهم اندفعوا وراء بعض المكاسب عظيمة المظهر, ضعيفة الجوهر, التي لن تحقق لهم إلا ما حققته تجربة ثورة الشرذمة الأولى!
ومنذ ذلك الحين, لم أشعر بتلك المعاني إلا سويعات قليلة, كان مصدرها, ثلة باقية على الثورة!
ثلة لديها في أجهزتها الحيوية جهازًا يستشعر الحرية, والعدالة, والكرامة, والحب, يستشعر درجة تحقق كل منهم, تحاول أن تضبط مسار الثورة, تحاول أن تشرح للآخرين ما لا يمكن تفسيره!
ربما لا نرى العقل لكننا نؤمن بوجوده, ربما لا نرى قيم الحرية والعدل, لكننا نؤمن أنها موجودة, وأنها تستحق, وأنها ستتحقق يومًا.
الثائر, ذلك الذي صنع ثورة فرحنا بها, ليس شخصا يمر بحالة شعورية ثورية عابرة, إنما هي حالة حياتية لا يمكنه التخلي عنها, حالة إما أن تنتج تغيير وإصلاح حقيقي, أو شخص مكتئب أو غير مبالي!
لا أخفيكم سرًا, فاللائمة لا تقع على عاتق المستبد وحده, إنما يقع على عاتقنا منها الجزء الأكبر, فإنما قيد المستبد كان على الرقاب, إنما قلوبنا وعقولنا لم يكن له عليها سلطان, فهي ملك لله!
أما من استسلم للمستبد, وأنفذه في عقله وقلبه, فإنه لا يلبث إلا ويتحول إلى مجرد جثة هامدة, جثة ليس فيها أي إرادة للعيش, للعمل, للحياة!
هذه الجثة تظل في الحياة مدفوعة دون أمل, هي كالورقة الذابلة, التي ألقتها الريح من شجرة مخضرة, في فصل غير فصل الخريف, فعلقت في قدم طفل مندهش, أو شوكة شيخ يلملم ما تساقط من تلك الشجرة, فتنتقل من حال إلى حال, ومن مكان إلى مكان, عبر زمان يلعنها, ورداء كالكفن يعزلها, منزوعة الروح, وفي يوم ما تجدها ملقاة كنافقة البُهُم!
أفضل من قابلتهم في حياتي, نجومهم تدور في فلك الثورة, أولئك الباحثون عن الحقيقة, الذين لا ينتمون إلا لها, لا ينتصرون لرأيهم إنما ينتصرون للحق, ليس لديهم أي مانع في أن يسلموا بخطأ ما قالوه يومًا, بل يسعدوا أن يتعلموا من غيرهم أو يجدوا لديه ما لم يستطيعوا الوصول إليه, منفتحين على كل الاتجاهات, وكل المذاهب, وكل التيارات, يأخذون من الجميع خيرهم, ويتركون شرَّهم..
..أوَّابون توَّابون, ارتبطوا بخالقهم فكرة وشعورًا, يحمدونه أن وفقهم للفكرة, ويستغفرونه إن أخطأوا الشعور والمسير.. هم أقرب للمزارع الذي يلقي البذرة, ثم يعكف على حمايتها, وسقايتها, وهو رافع يده إلى السماء يدعو ربهما أن ينبتهما نباتًا حسنًا, وأن يكفّله رعايتها, أو يكفلها لمن يرعاها..
هم لا يملوا أو يكلوا من القول والعمل, هدفهم واحد, وشعارهم: الثورة مستمرة, حتى تعود الأرض حرّة!
1 تعليق:
اقتباس .(ما تعلمته على يد ثلة صبرت وعملت وضحّت, ثلة علمتني الكثير مما كنت أحتاجه, ولكن, بعد ذلك, كانوا أوَّل من حطَّم الفكرة, وتجاوز المبدأ, وهو هو من شرحه لي, وزرعه في ثنايا عقلي وروحي!)
اقول لك . قول الشافعي .
خذ بعلمي ولا تنظر لأعمالي .واجني الثمار ودع العود للنار.
أ/ وضاح مشاعرك في نفس الموضع تحمل الشئ وضده . احيانا متفائله واحيانا متشائمه واخري مزيج منهما .
دع هذا الشتات . لن تصلح الكون وحدك ؟
إرسال تعليق
التعليق متاح للجميع, حتى لمن أراد أن يعلق بـ"غير معرف", كما أنه متاح ومطلوب من أولئك المخالفين لرأيي, أو النقاد, وأرى أني يجب عليّ أن أنوه إلى أني عادة لا أرد على التعليقات, فما فوق كلمة "تعليق" ملكي أكتب فيه ما أشاء, وما تحتها ملكك تكتب فيه ما تشاء, وكلانا ملك لله, فلنتقه.