على إحدى البوَّابات المسموح الدخول منها إلى "ميدان التحرير", توقَّفَت عدد من الدبابات بعرض الطريق لتضييق المدخل, ووقَفَ عدد من جنودِ الجيش وضبّاطه على المنفذ لمطالعة الأوراق الثبوتيَّة لكلّ من يريد الدخول, بعدها تقف دروع بشريَّة تحمي الميدان طوال ساعات اليوم من الداخلين إليه بغرض الإفساد أو إثارة الشغب, وتفتيشهم والتأكّد من أنَّهم لا يَحملون أي أسلحة أو بطاقات شرطة والحزب الحاكم!
على جانبي الطريق, هناك تشريفة, للترحيب بالقادمين, وأخرى للمغادرين, تُغنِّي لهم مُرحِّبة, أو مُودِّعة على أملِ اللقاء, وفي الداخل يُطالعك "ميدان الشهداء" بثلاثة آلاف من الأمتار التي كان يقطنها في وقتٍ ما ملايين الثوَّار, يتعاقبون عليه صباح مساء, وفي كلّ يومٍ هناك زائرٌ جديد, وعالَمٌ يزداد انبهاره!
لم يتخيّل أيّ من المشاركين في الثورة أو النِّظام أنَّ دعوة أُطلقت في "عالمٍ افتراضيّ" ستصل إلى هذا الحد الواقعي في "العالم الحقيقي" في يومِها الأوَّل, لذا فقد جُوبِهَت في مَهْدِها بِقمعٍ وبَأسٍ شديدين, وهذه المواجهة بشكلٍ خاص ألهبَت مشاعر المُشاركين والمُتفرّجين, فزاد العدد, وطوال أسبوعٍ كاملٍ كانت متوالية القمع تتزايد, تَخفُت حينًا, لكنها ما تلبث إلا وتأتي بأشدّ مما رحلت به!
ويمكن القول أنَّ يوم 28 يناير هو اليوم الذي حدد لكل من شارك به أنه في تجربة جديدة, ليست مظاهرة عابرة هدفها بعض المطالب, إنما شعرنا حينها أننا أمام ثورة تأمر ويجب أن تطاع!, ورغم أننا كنا في موقف ظاهِرَهُ الضعف, إلا أنَّنا كنَّا على يقين أنَّنا على الطريق الصحيح, وأنَّنا منصورون لا ريب.
في ذلك اليوم خرجَ معنا أناس بالدفع, كانوا يستثقلون خروجهم, وبنهاية اليوم كانوا قد ندموا أشد الندم على استثقالهم الأول, فما كنَّا نعيشه حينها كانت الثورة بعينها, لذا فقد عزمنا جميعًا إكمالها حتى النهاية!
كانت قنابل الغاز المُسَيِّلة للدّموع تتساقط علينا كالمطر, وطلقات الرصاص المطَّاطيّ تتناثر على الأرصفة, وداخل أجساد عدد كبير من الثوار, بالإضافة إلى استقرار رصاصات حقيقيَّة داخل رؤوس وصدور الكثيرين, وعلى عكسِ مطلوبِ النِّظام فقد كانت إرادتنا تتزايد, تشتعل ولا تخبو!
لم يرحم الأمن في تعامله معنا صغير أو كبير, شيخ أو امرأة, وعلى العكس من ذلك فقد رأيت الثوار يصرخون حين يجد من يحاول الاعتداء على جندي أو شرطي سقط وتركه زملاؤه, كان الجميع يهتفون "أخونا.. أخونا..", حتى أنَّ الكثيرين من رجال الجيش والشرطة انضموا لنا, هتفوا معنا, وشاركونا الضرب!
ثم تكوَّنت البذرة الأولى لـ"دولة الحريَّة" بـ"دولة التحرير", ولكن.. لماذا "دولة التحرير"؟ لأنَّ أرضها تحرَّرت ببذلِ دم مئات الشهداء, وبضعة آلاف من المجروحين, وملايين من المعذَّبين ليل نهار, من آثار الفراق, والبرد, والحزن, والألم, والقلق!
"دولة التحرير", لأنَّها احتوَت على مجموعة بشريَّة جمعتهم لغة واحدة, ثقافة واحدة, ووحدة هدف، ولكن.. ما هو الهدف؟, هذا ما يجيب عليه كل ساكن هناك بطريقته, إلا أنهم جميعًا يخبروك أنهم يرغبون في "تطهير الوطن", ممّ؟ من براثن الفساد وأعوانه وقوّاده, جميعهم لديهم درجة من الوعي مرتفعة, بالرغم من اختلافهم الواضح في كل شيء في مناحي حياتهم.
كان فيهم الغنيّ والفقير, القارئ والأمي, المظلوم والمكلوم, الرجل والمرأة, المسلم والنصراني, الملتزم وغير الملتزم, المتزوج والعزب, القعيد والصحيح, الطفل والشاب والفتاة والرجل والمرأة والشيخ, الطبيب والمحامي والصحفي والمُعَلِّم والسباك والنجار والكهربائي..., هناك تجد من كل فئة فردًا أو مجموعة من الأفراد!
على حدود تلك الدولة, تكون آخر علاقتك باسمك ومُسمَّاكَ الوظيفي, وهو ما أظهرته الحوارات التي دارت بداخلها, فقد كان يمكنك الدخول في أيّ حديث مع أيّ شخص, سواء كان ماشيًا أو متكئًا أو نائمًا, فمفردات بطاقة كل واحد منهم معروفة للجميع:
الاسم: مصري.
السن: سنين أسوأ من عجاف يوسف.
تاريخ الميلاد: 25 يناير.
العنوان: ميدان الشهداء (التحرير سابقًا).
وقد قابلت الكثير, سألت أحدهم: "..........؟", فأجاب: "سنوات طويلة من القهر والفساد, وحين خرجنا قوبلنا بدروعٍ بشريَّة من الأمن المركزي ومجنزراتٍ دهستنا, وكانت سحابة ضبابية من الغازات السامة الخانقة تلف بنا, وكانت السماء تمطر شظايا مطاطية جرحت أكثر ما أخافت, وشوهت أكثر ما جرحت, وأماتت من استعصى عليها تخويفهم!".
ولكن, "......؟", فأجاب: "أجلس هنا لأننا بعد أن طفنا مناطق كثيرة, طوال سنوات غابرة, زادها الطاغية عزلة بقطعه وسائل الاتصالات, وجدنا أننا نطوف في سجنٍ مفتوح الجوانب, سجن ليس كباقي السجون, له باب حديدي وعلى نافذته قضبان, إنما سجن سقفه فرعون, وعلى بابه فرعون, وقضبانه فرعون, سجن أحكم قبضته عليه فرعون.. ولكنه لم يدرك أنَ وجوده (الفرعون) يوجب وجود موسى وأتباعه, وإن كانوا قلة!
فيا للكنانةِ ! عمروٌ صَحا .. وأيقظَ للفجر أحفـادَهُ
ففِرعونُ عربَدَ في ظُلمهِ .. وجَذّرَ في الأرض إِفسادَهُ
في بداية أيام الثورة, كان الطعام شحيحًا, وكانت المنافذ مغلقة, إلا أن نفوس الثوار كانت منطلقة كريمة, يؤثر كل واحد منهم غيره على نفسه, وبم؟! بلقيماتٍ كانت هي كل قوتهم!, إلا أنه بعد أيام, بدأ الوضع يتحسن, ورأينا خير المصريين وكرمهم, الطعام الذي يوزع ليل نهار, العصائر والألبان, كل شيء هناك كان بإمكانك أن تحصل عليه, من جارك في الرصيف, أو أي مار يحمله!.
في تلك الأيام أيضًا كان يقرصنا مع الجوع البرد, وهذان بشكلٍ خاص حين يجتمعان لا يفرِّقا بين غنيٍّ وفقير, فكلنا نصبح حينها فقراء, بل أبناء سبيل, الداخل إلى الميدان عبر واحد من أبوابه الستّة يرى الرجال والنساء يحملون الأغطية, وفي الداخل تجد الرجل يحمل تلك الأغطية على كتفه ويدور يبحث عمن يشعر بالبرد!
أثناء تجوَّلك ليلاً أو نهارًا, كنت تجد النائمين على جانبي الطريق, وفي الحدائق الصغيرة, وتحت المباني المطلة على الميدان, وستجد آخرين يقفون على مداخل الميدان ومخارجه, يحمون كل ثغر وشبر, بأجسادهم ولا سلاح لهم غيره!
لقد مثَّل ميدان التحرير نموذجًا حيًا للدولة المصرية كما كنت أراها في أحلام الغربة, وكما أراها في أحلام اليقظة, وكما يتمناها الكثير من المصريين, ففيه بدأت الحياة بحرية وإخلاص وصمود, وفيه عشنا لحظات من الجهاد الأصغر, ورأينا أخلاقًا نشتاق إليها, وعند خروجنا منه كان الخروج منظمًا, سلسًا, ينظمه رجالٌ ونساء, يمثلون تشريفة, ينشدون فيها أناشيد يطالبونا فيها بالعودة إليهم, وإخبار الآخرين عنهم, ونطمئنهم أنَّنا: لن نخذلكم, وأنَّنا: سنخبر الآخرين دومًا عنكم!
0 تعليق:
إرسال تعليق
التعليق متاح للجميع, حتى لمن أراد أن يعلق بـ"غير معرف", كما أنه متاح ومطلوب من أولئك المخالفين لرأيي, أو النقاد, وأرى أني يجب عليّ أن أنوه إلى أني عادة لا أرد على التعليقات, فما فوق كلمة "تعليق" ملكي أكتب فيه ما أشاء, وما تحتها ملكك تكتب فيه ما تشاء, وكلانا ملك لله, فلنتقه.