باعد القدر بيننا, حتى الأرض كأنها طاوعته فانبسطت وطالت واعرضّت, فأصبحت الأذرع بيننا أميالاً, وأصبح الطريق الواحد طرقًا متشعّبَة, تفرّعت منها أزقّة, وسراديب, ومساحاتٍ شاسعة, شبيهة بلوحة فكري, التي كلما دخلتها ضعت في متاهاتها, أما التي بيننا فقد بناها أهل هذا الزمان, بظلمهم الإنسان, والحيوان, بل حتى الجماد, وأما التي في داخلي فقد بنتها رغبة الإنسان في زيادة إدراكه, وقصوره على إتمامه.
نعم, ما زالت نفسي تتوق إلى الحديث معك, لا لمتعة أو منفعة, لكن أملاً في أن تهدأ تلك النفس الحزينة التي ترجو الاطمئنان عليك, وتتمنى أن تساعدك, وتخفّف عنك.
لا, لن أكذب عليك, فأنا أحتاج أيضًا للحديث معك من أجل نفسي, لا لأحكي لك حكايات حزني, وألمي, بل ونفاقاقي, حين أضحك لمن حولي, وقلبي حزين على حياتي التي تضيع بين يدي, لا لشيء إلا أن "الحقائق اختلطت علي, وأصبحتُ كل يوم أغير في مفاهيمي, وثقافتي, فحقائق اليوم أصبحت ليس لها تلك القوة التي كانت لحقائق الأمس" (*), أحتاج أن ألقي صراعات فكري في حلبة فكرك الواسع, فتحكمي بين أطرافها حكمًا عادلاً كعادتك.
بالرغم من تواجد الكثيرين حولي, وبالرغم من أنَّ بعضهم يتمنى أن أتحدث معه, إلا أنّ عقلي توقَّفَ عن الإيمان بأيّ عقل بعد عقلك, أو لنقل أنه لم يجد بعد ذلك العقل الذي يمكنه أن يدرك كليّات الأمور, مع عدم إهماله لتفاصيلها الصغيرة, صاحب النظرة البعيدة, وهذا لا يمنع أنه يستطيع أن يرى ما يراه الناظر تحت قدميه, الذي يتقد حماسة, ونورًا, قلّل صاحبه ذنوبه, فعاد يعمل كسراج يضيء له طريقه بحكمة الشيوخ.
ذلك العقل الذي "يسعى للارتحال من ظلمات السطحيّة لأنوار المعرفة العميقة بالأشياء, ومن موات الجمود لحيوية الحركة, ومن جمال النظرية لروعة التطبيق, أملاً في إيقاظ أمة آن لها أن تفيق" (**).
ربّما من الصعب أن أصف جمالك الذي أراه وأشعر به - عذرًا - الذي رأيته وشعرتُ به !, لكن الأصعب أن أصف كيف ترين الجمال, أو كيف تشعرين به !
كثير من النساء, ومثلهم من الرجال, يرون أنَّ الفرح يكمن في هيئة معينة, حتى أنَّهم حين امتلكوا كل مقوماته وغابت الهيئة, غابت الفرحة عن قلوبهم.
إنَّ الفرحَ شعورٌ يملأ القلب, فتظهر آثاره على الوجه والجسد, ليظهر من يشعر به كالقمر الدريّ, وتضييق باب الفرح, بل وحشره في هيئة معيَّنَة, أو مظهرٍ معيَّن, يقلّل من فرص الحصول عليه.
البعض يرى جمال الطبيعة في خضرة أرضها, وزرقة سمائها, والبعض الآخر يرى هذا الجمال غير مكتمل إلا لأنه جمال صادق, غير مزيف, فرقصات الزهور فرحها, ورائحتها كرم الفرحة, فالفرح يرتبط بالكرم, وكل فَرِح يسعى لأن يُشعر العالم كله بفرحته, ويتمنى أن يراه كله فرحًا مسرورًا, فهو مبتدأ الخير, ومنتهاه.
تمامًا هذا ما لديك, فقلبك يعرف معنى الفرح, لا مظاهره, يحب من الحياة الجميل, لا ما يبدو جميلاً, يؤمن بعين الحقائق لا مظاهرها.
جمال الدنيا في عينيك ابتسامة حبيب, وهناء قلبك في قربه, ودوام صحتك في البقاء بين يديه.
عرفتك تقيَّة نقيَّة, صوَّامة قوَّامة, ذكرك متّصل, وفعلك كثير مستمر, يدك عليا, وسيرتك ندية, من عرفك يومًا ظنَّ أنه التقاك قبلاً, يشعر أن روحه التقت روحك الطيبة الزكيَّة, ويحرص على أن تكون علاقته بك دائمة أبديَّة.
لذا فإنّي أتلهف لرؤيتك, أبحث عنك بين رفيف النجوم, وزخّات المطر, بين ضياءات القمر, وحكايات السمر, أرتاح لمجرد الذكرى, ولمجرد أن أرى وجهك, أو يلوح لي طيفه في الأفق, أو الظن بأنني سأراه.
هذه الأيام, أراك في أحلامي كثيرًا, أما في الحقيقة فإنّي أتلفت - رغمًا عنّي - كلما لمحت واحدة تشبهك, أو نسيمًا كالذي كان يصاحب طلّتك, أو فكرًا منيرًا, وإصرارًا دائمًا, كفكرك, وإصرارك على الحق.
أتعرفين أمرًا ؟, في كثيرٍ من الأحيان, عندما أقوم بقراءة كتابٍ أو رواية, ومهما كان الموضوع, فإنني أتذكرك ضمن كلمات الكتاب وأحداث الرواية, بل إنّي أظنّ أنَّ كاتب الرواية, تلك التي كان موضوعها "حبيبة", عاش أيامًا كأيامنا, بل كان له حبيبة تشبهك.
وحدة "إيلينا" ذكّرتني بوحدتك, أما بورشيا الحكيمة فقد ذكرتني بحكمتك ومبادرتك, كما ذكرتني زوجة إياسو الطيب بوفائك وعبقريتك. (***)
وأكثر من ذكرتني بك, كانت أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب - رضي الله عنها - التي تناول سيرتها العطرة الكيلاني في رائعته "على أبواب خيبر", كنت أقرأ الرواية, وصورتك ترتبط معها, كلما وَرَد اسمها تذكَّرتُ وجهك الموحي بالخير, كلما تَألَّمَت تذكرتُ آلامك التي بُذرت في أرضك مبكرًا, ظلم الأقربين لها وظلمهم لك, بشارَتَها التي ألقاها الله في رؤياها ووعده لمن فيه صفاتك, حَياءها, كَلِمَاتها, إصرارها وعزتها, جميع صفاتها ذكّروني بك.
وكَمَا رَأَيتُكِ في كتبي ورواياتي, فقد رأيتك في أحداث حياتي, بل إنّ تجربتنا الحزينة, تكرَّرت أمامي, وإن كانت حكايتنا لا يمكن أن تتكرَّر, وحينها كنت أسمع صوتًا داخليًا يصرخ, يتألم, يسأل الله أن ينقذ أبطالها, ويدعوه ألا تتكرر التجربة, فقد كانت مريرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) مقتبس من مقالنا السابق "من أنا؟".
(**) مُقتبس على استحياء, من "موقع يقظة فكر".
(***) رواية "وهكذا كانت الوحدة" لخوان خوسيه مياس - مسرحية "تاجر البندقية" لشكسبير - "الظل الأسود" التي كتبها العبقري نجيب الكيلاني.
11 تعليق:
رائعة كما هي مؤلمة
أعجبتني من تصفها حتى لتمنيت أن أتعرف إليها وأرى تلك التي وصفتها بتلك الصفات الرائعة والتي دفعت كاتبا مثلك أن يسطر تلك الكلمات الرائعة الراقية..
أسأل الله أن ييسر لكما الأمر فلعل فرجه القريب ينالكما
:)
اصحى يا نايم ووحد الدايم
أرجوا من المدونين الموقرين أن يضعوا شعار الحملة واسمها فقط فوقها
(حملة الجسد الواحد)
في الشريط الجانبي لمدوناتهم كدلالة على وحدة صف أمة محمد
http://dndanh111.blogspot.com/2010/06/blog-post_14.html
ومن أجل قيام الولايات المتحدة الإسلامية
http://dndanh111.blogspot.com/2010/06/blog-post_17.html
جعله الله في ميزان حسناتكم .. آمين
رائعه جدا بل واكثر من ذلك
حقا كلمات وصفت الكثير
اعجبتنى حقا وصفك لها
وهذا الكلام الرائع الذى احب ان اقراه دوما
مهما كانت الكلمات التى ساقولها اعلم انها لم ولن تفى حقك وحق هذا القلم الرائع
طب و مستنى إيه ؟ :)
ألمها أكبر من عسلها .. !!
يا لها من فتاة ,, ويا له من قلب أحبها وأخلص لها
نفح الله بقلمك وعقلك .. آمين
كلامك عجيب . وقلمك صريح .وصمتك رهيب ؟
ولكن جرحك أليم . لعل الم الفراق يكون لك دواءُ؟
مصر فى مهب الريح
فى خلال الثلاثين عاما الماضية تعرضت مصر الى حملة منظمة لنشر ثقافة الهزيمة بين المصريين, فظهرت أمراض اجتماعية خطيرة عانى ومازال يعانى منها خمسة وتسعون بالمئة من هذا الشعب الكادح . فلقد تحولت مصر تدريجيا الى مجتمع الخمسة بالمئه وعدنا بخطى ثابته الى عصر ماقبل الثورة .. بل أسوء بكثير من مرحلة الاقطاع.
1- الانفجار السكانى .. وكيف أنها خدعة فيقولون أننا نتكاثر ولايوجد حل وأنها مشكلة مستعصية عن الحل.
2- مشكلة الدخل القومى .. وكيف يسرقونه ويدعون أن هناك عجزا ولاأمل من خروجنا من مشكلة الديون .
3- مشكلة تعمير مصر والتى يعيش سكانها على 4% من مساحتها.
4 – العدالة الاجتماعية .. وأطفال الشوارع والذين يملكون كل شىء .
5 – ضرورة الاتحاد مع السودان لتوفير الغذاء وحماية الأمن القومى المصرى.
6 – رئيس مصر القادم .. شروطه ومواصفاته حتى ترجع مصر الى عهدها السابق كدولة لها وزن اقليمى عربيا وافريقيا.
لمزيد من التفاصيل أذهب إلى مقالات ثقافة الهزيمة بالرابط التالى
www.ouregypt.us
لمست قلبي
كأنك قرأت ما بداخلى :(
ولكن ما هو الحل ؟!!!
حضرتك جرئ جدا
إرسال تعليق
التعليق متاح للجميع, حتى لمن أراد أن يعلق بـ"غير معرف", كما أنه متاح ومطلوب من أولئك المخالفين لرأيي, أو النقاد, وأرى أني يجب عليّ أن أنوه إلى أني عادة لا أرد على التعليقات, فما فوق كلمة "تعليق" ملكي أكتب فيه ما أشاء, وما تحتها ملكك تكتب فيه ما تشاء, وكلانا ملك لله, فلنتقه.