من أنا ؟

لا أحد يستطيع أن يصف نفسه, أو يعرِّفَ بها, فكلمات اللغات مجتمعة تعجز عن وصف ابتسامة, ما بالكم بشخصٍ كامل, الله سبحانه أقسم بضحكته وبكائِه !!

وأنا كغيري, إنْ وصفتُ نفسي اليوم بوصفٍ, سأجدني غدًا أزيله, وأكتب غيرَه مكانه, أما رأيتم قول الأصفهاني: ”إنِّي رأيتُ أنَّه لا يكتب إنسان كتابًا في يومه إلا قالَ في غَده: لو غَير هذا لكان أحسن, ولو زيد كذا لكان يُستحسن, ولو قدّم هذا لكان أفضل, ولو ترك هذا لكان أجمل. وهذا من أعظم العبر وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر".

كذلك ماذا أصف فيها ؟ وما الذي أعرِّفها به ؟, هل أعرّف نفسي بأبي وأمي, أهلي, دراستي وعملي, أم أعرِّفها بعقلي وفكري, أم بمشاعري ووجداني, أم أعرّفها بإخفاقاتي وآلامي وأحزاني, أم بأفراحي وأتراحي ونجاحاتي وأمنياتي... ؟؟

هل أكتب عن محيطي ؟, وكيف يُعرَّف الشخص بمحيطه (والفكرة هنا للدكتورة هبة رؤوف عزّت), وهو كيان أعجز العلم والعلماء عن الإحاطة به, لدرجة أن وصفه الشاعر بـ:

وتحسب أنَّكَ جرمٌ صغيرٌ .. وفيك انطوى العالم الأكبر

إذًا فلا يمكن أن تعرَّف النفس إلا بها, إلا أنّ الشيء لا يمكن أن يعرَّفَ بنفسه, فقد قال القائل مستنكرًا: "بعد جهدٍ وعناء, عرَّف الماء بالماء !", بينما البعض يقول: "إنّما يمكن تعريف الشيء بما يُشَاهَد عليه", والظاهر المُشَاهَد أحيانًا ما يُعطي حقائق مقلوبة تمامًا, ولنا في قصة موسى والخضر عليهما السلام العبرة والعظة.

نعم, إنّها حيرة تَصحبك أنّى ارتحلت, ومهما تعلّمت, أو حَوَت نفسك من خبرات, أو رأيت من طباع البشر, أو قرأت في علم النفس, وأحوال أهل الأثر, هي حيرة تجعلك تتحدّث بطلاقة, وحين يُطلب منك تعريف نفسك, تقف برهة, تفكّر, ثم تنطلق في شرح مالا يمكن شرحه, أو الصمت, أو قول: "لا أعرف".

قد يقول البعض: "يمكنك تعريف نفسك بالحديث عن أفكارك, إنجازاتك ونجاحاتك, ما كُرّمت من أجله, وما تعمل فيه, مشاعرك, أمنياتك, دراستك, خطتك في الحياة...", ويضيفون: "هذه الأشياء لها علاقة بك, وهي دليلٌ على صفاتك", وفي هذه معهم حق في جزئها الأول, فهي لها علاقة بي, لكنها ليست دليلاً عليّ, بل هي مجرّد قرائن قد تُثبت أو تكون غير قادرة على الإثبات.

لأنّي ربّما أضحك لمن حولي, وقلبي حزينٌ على حياتي التي تضيع بين يدي, لا لشيءٍ إلا لأنّ الحقائق قد اختلطت عليّ, وأصبحتُ كل يوم أغيّر في ثقافتي ومفاهيمي, فحقائق اليوم أصبحت ليس لها تلك القوة التي كانت لحقائق الأمس, كالعملة التي تكتشف فجأة أنها مزوّرة, أو معطّلة !

قد يعدّ البعض هذا التغيير تقدّمًا, ومن أدراك ؟, فلربما التقّدم للخلف, كحال الكثيرين, فلا وحي لديك, وما لديك محض اجتهاد, ولا شيء مؤكّد.

مشاعري تتغيّر وتتبدل كل يوم, فما يسرُّني اليوم يصبح غدًا من الأحزان, يكفيه أن تمر عليه يد القدر فتبدلّه من حالٍ إلى حال.

نجاحاتي ليس لها قيمة إن لم تستمر, كما أنّ قيمتها مؤقتّة لا تصلح أنْ تكون صفةً تلصق بي بقية حياتي.

آلامي, وأحزاني لا أجاهر بها, فربها مطلع عليها, هو حسبي ومولاي.

إذًا "فمن الصعب أن أتحدّث عن نفسي, قد أحتاج عمرًا كي أفهمها قبل أن أبدأ في الحديث عنها, وقد أتحدّث وأنا لم أعرفها بعمق بعد. وقد أسعى للإمساك بالمعنى لكن يُفلت مني، وأتغيّر وتتغيّر اللغة، وأحاول من جديد".(والفقرة هنا للدكتورة هبة رؤوف عزّت)

أمَّا ما دون ذلك فهو ثابت, فاسمي الذي عُرِفتُ به بين أهلي وأقراني ثابتٌ على رأس صفحتي وحياتي, حتى أنّي لم أختره, وهو الأقرب مني !, وسنين عمري تمشي دون إرادة مني بإيقافها أو تسريع وتيرتها, ودراستي لا تعبّر عنّي, بل عن علوم معينة مررت عليها, وإنجازات الماضي انقضت, فلم تعد إلا تاريخًا, وإنجازات حاضري أجاهد كي أوافيها, وبالكتمان أحيطها وأحميها, وإنجازات المستقبل.. ماذا عنها ؟ لا أظن أن أحدًا يدرك ما يمكن أن يحدث فيها !

إذا كُرِّمتُ, حزنت خوفًا ألاّ أكون أهلاً لهذا التكريم, وخوفًا من أن أصاب بالرياء, وإذا أُهنت عزّ علي, وحزنت, واستكنت.

إن تجاهلني الناس شعرت كأنّي طفلُ شريدٌ عزَّت عليه نفسه أن تطلب الناس, وإنْ طلبوني خفت على نفسي الفتنة.

هل الأمر معقَّد ؟

نعم, إنَّه بالفعل كذلك, لذا يقولون أنَّ النفس البشريَّة أعجز ما خلق الله, وأنَّ وصفها أشدُّ صعوبةً من وصفِ الكون وما يقع بين السماءِ والأرض, حتى أنَّهم حين اخترعوا الإنسان الآلي, في محاولة للاستعاضة به عن خدمات الإنسان الحقيقي, فشلوا في إكسابه الصفات النفسية للبشر, وفي جعله يشعر بالضحك, أو البكاء, فصدق الله ربنا حين أقسم قائلاً: "وأنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى".

12 تعليق:

Lobna Ahmed يقول...

المربك أن هناك من يبدون واثقين من قدرتهم على فهم أنفسهم والتعريف بها, سواء كان ذلك بطريقة بسيطة أو على نحو مبالغ فيه

Gehad Mousa يقول...

بجد كلام اكثر من رائع سلمت يداك

SHAHEENSHY...فوضى منظمة يقول...

ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها

قل الروح من أمر ربي

النفس والروح وأي منهما تبعا للأخر ؟ من أسرار الكون وإعجاز الخالق

أعجبتني التدوينة كثيرا
بالتوفيق

إسلام ناجح يقول...

أقسم بها المولى: "ونفسٍ وما سوّاها"

تأملت طويلاً مع كتابتك عن النفس البشرية..
لكن كالعادة.. حين نقرأ عن النفس، ونظن أننا ربما نجد أجوبة لما يدور بالعقل من أسئلة، نخرج محمَّلين بالمزيد من تلك الأسئلة، ويستمر قلق المعرفة والبحث ..

محمد.. هل لك أن تذكّرني بعنوان مقالة د. هبة؟

محمد إمام يقول...

من أنت؟

http://www.alwasatnews.com/2440/news/read/52003/1.html

Hasna يقول...

أبدعت في فلسفة عدم تعريف النفس لمعرفة قدر النفس .. :)
أحييك على روعتها .. :)

Maha يقول...

ردا على هذه التدوينة الممتعة أشكرك بطرح هذه القصيدة التي أحبها كثيرا وذكرتني التدوينة بها .. القصيدة لشاعر غير مشهور ولست متأكدة لمن هي :)

أنا من أنا !
أنا محض أفكار تلاشت فى زحام الأرصفة
شباك نافذة تهشم بعد مائة عاصفة
وحطام قنديل هوى
فى مدلهمات الشوارع والحوارى،فى سحيق الأمسيات الزائفة
***
أنا شاعر لبس العباءة وامتطى ظهر القصيد
لكنما_ هل تنضج النيران من حطب الجليد!
أنا محض طفل أجهضت فيه البراءة والسنا
فإذا تبسم هل ضحوك أم شريد!
***
أنا كل أوجاع الذين رأيتهم
قبلى على وتر القصيدة يذبحون حروفهم ، يتساقطون
أنا ابن هذا الجيل، أكبر ضائع
وأنا المعلق رأس ضادى فوق مشنقة الفنون
***
الحرف يسكن أضلعى ... لا أدعى!
من ألف عام بل يزيد
ودبيب أصوات القوافى مسمعى
ما هزنى شوق إلى عزف وما رفت مع الأحلام أسراب النشيد
وجميع أعشاش المعانى مضجعى
حينا نحلق فى السما
حينا نحلق فى المدى
حينا نحرق جلدنا لنعود فى جلد جديد
***
أنا صيحة الماضى أنا...
ومصيبتى أنى يصدقنى أنا...!
أنا ابن هذا الجيل والشرق المقيم على حدود المهزلة
أنا ألف بيت حوكمت فى معقل الطوق المقيم على حدود المقصلة
أنا ثورة فى الشعر أجهدها الدجى وأبات فيها معوله


***

نعم كما قلت .. الفرد منا لوحة "بازل" بها مئات القطع الصغيرة التي تشكل شخصيته .. الخدعة أن هذه القطع غير ثابتة الملامح في تغير وتطور مستمر ..

يحضرني أيضا (وهو شعر باللهجة الخليجية) :


قالت منو (من) انت وقلت مجموعة إنسان
من كل ضد وضد تلقين فيني (تجدين في)

فيني نهار وليل وأفراح وأحزان
اضحك ودمعي حاير وسط عيني

فيني بداية وقت ونهاية أزمان
اشتاق باكر (للغد) وأعطي أمسي حنيني

واسقي قلوب الناس عشق وضميان (ظمآن)
واهدي حيارى الدرب واحتار ويني

واحاوم طيور السما حوم نشوان
وأسيل الوديان دمعي حزيني

في عيني اليمنة من الورد بستان
وفي عيني اليسرة عجاج السنيني

تهزمني النجلا وأنا ند فرسان
واخفي طعوني والمحبة تبيني (تريدني)

إن ما عرفتيني فلاني بزعلان (لست بحزين)
حتى أنا تراني احترت فيني

***

قلمي يقول...

راااااااااااااااائعه

shahenaz يقول...

رااائعة... بالتوفيق

علاء يقول...

* أحيانًا نعتقد أننا محور الكون، وأن الدنيا لن تستقيم يومًا واحدًا بدوننا، ثم تأتي لحظات الكشف فنُفاجأ بأننا أوهن من بيت العنكبوت، وأننا إذا متنا الآن فلن تكف الأرض عندالدوران (صدِّق أو لا تصدِّق)!
* من أجمل ما قرأتُ في سياق الإجابة عن هذا التساؤل (من أنت؟) ما قاله د.أحمد خالد توفيق (الرجل الذي يعتبره بعض معجبيه رئيس جمهورية الناس اللي بيفهموا):
لا أعتقد أن هناك كثيرين يريدون معرفة شيء عني.. فأنا أعتبر نفسي ـ بلا أي تواضع ـ شخصًا مملاً إلى حد يثير الغيظ..
بالتأكيد لم أشارك في اغتيال "لنكولن"، ولم أضع خطة هزيمة المغول في "عين جالوت"..
لا أحتفظ بجثة في القبوأحاول تحريكها بالقوى الذهنية، ولم ألتهم طفلا منذ زمن بعيد..
ولطالما تساءلتُ عن تلك المعجزة التي تجعل إنسانًا ما يشعر بالفخر أو الغرور..
ما الذي يعرفه هذا العبقري عن قوانين الميراث الشرعية؟.. هل يمكنه أن يعيد دون خطأ واحد تجربة قطرة الزيت لـ "ميليكان؟.. هل يمكنه أن يركب دائرة كهربية على التوازي ؟.. كم جزءًا يحفظ من القرآن ؟.. ما معلوماته عن قيادةالغواصات؟.. هل يستطيع إعراب (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل؟.. هل يمكنه أن يكسرثمرة جوز هند بين ساعده وعضده؟.. كم من الوقت يمكنه أن يظل تحت الماء؟!
الخلاصة أننا محظوظون لأننا لم نمت خجلا منذزمن؛ من فرط جهلنا وضعفنا!

مريم طاهر لولو يقول...

أحببتُ في ما كتبت الصراحة التي غابت عن الجميع "إلا من رحم ربي "
أحياناً .. نقوم بالكذب على أنفسنا .. لكي لا نشعر بالنقص الذي وُلد معنآ .. فنضطر أن ننعت أنفسنابما ليس بهآ !
فقط .. لنقوم بسدّ النقص عندنا ..
فلسفتكَ أعجبتني ..
رآئع

غير معرف يقول...

جميلة يا محمد .... قرأتها من قبل وما زلت أسجل إعجابي بها :)

إرسال تعليق

التعليق متاح للجميع, حتى لمن أراد أن يعلق بـ"غير معرف", كما أنه متاح ومطلوب من أولئك المخالفين لرأيي, أو النقاد, وأرى أني يجب عليّ أن أنوه إلى أني عادة لا أرد على التعليقات, فما فوق كلمة "تعليق" ملكي أكتب فيه ما أشاء, وما تحتها ملكك تكتب فيه ما تشاء, وكلانا ملك لله, فلنتقه.