حنظلة والبحر

"صار لنا زمان ما كتبنا عن فلسطين" وهذا ليس لقلة أهمية القضية, لكنها القضية الأغلى التي عزفت النفس عن الحديث عنها وهي مكبّلة لا تقدر على نصرتها.

هي كشعورك تجاه أبنائك, حين تعرف دواء مرضهم ثم لا تقدر على علاجهم, فتهجر الكلام, وكأنك نسيته, وما أنت بنسيّ.



 ربما غابت فلسطين الاسم, وغزة اللفظ عن كتابات بعضنا, لكنّها لم تغِب عن مضمونها, أو عن قلوبنا.

فحنظلة الذي كانت مهمّته ورؤيته وهدفه العودة إلى فلسطين, لم يمنعه ذلك أن يقول: "مهمتي أن أتحدث بصوت الناس، شعبي في المخيّمات في مصر والجزائر، وباسم البسطاء في المنطقة كلها, والذين لا منافذ كثيرة لديهم للتعبير عن وجهة نظرهم" نعم القضية واحدة.

اليوم تقدم جهادنا – نحن الشعوب لا الحكام – خطوات إلى الأمام, فبعد أن كان جهادنا بالمعنى, أصبح جهادنا بالفعل, اليوم أصبح جهادنا بالمال والنفس, أصبح ناتجه دماؤنا, والطريق الذي تبذل فيه الدماء هو طريق النصر, فإذا حضرت الدماء, بطل الكلام..

بالأمس كنّا نتغنى بما فعله غالوي, نشيد بإمداده شريان الحياة إلى غزة, وما زال فعله يُحترم, أما اليوم فقد أثبتت أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) أنّ الخير باقٍ فيها إلى يوم القيامة, وهذه في ذاتها لا تحتاج لإثبات, لكنها النفس البشرية تجزع, فيرسل الله لها ما يثبتها به.

مدّت تركيا شرايينًا للحياة إلى غزة, فلم ترسل لها غذاء أو دواء أو بناء فقط, لكنها أرسلت الأبناء, ومدت بينها وبينهم الشهداء, الذين قالت أمهاتهم: "نحن فخورون بكم.. وسعادتنا عظيمة بشهادتكم", ثم وضعن علم فلسطين على جثثهم.

استبشرت خيرًا بما حدث, وكذلك فعل حنظلة, فقد استدار !!

ولد حنظلة لأب فلسطيني في الكويت عام 1969, أي بعد النكبة بما يناهز العشرين سنة, وبعد النكسة ببضع سنين, هو فتى من ورق, لأب غريب مهجّر يشعر بالقلق, ولد في صحيفة "السياسة الكويتية".. طلب منه ناجي العلي أن يكون ضميره اليقظ وقلبه النابض, وكم من مثقفين وأصحاب مواهب فنية خدّروا ضمائرهم, او قتلوها, فباتت كخرقة بالية يمسح الواحد منهم ريشته فيها بعد أن ينتهي من "إبداعه"!

نشأ حنظلة مهاجرًا, غريبًا, وبدلاً من أن تكون طفولته أيام لعب ولهو..

وطفولتي يا سادتي .. سقطت كأوراق الخريف
والدمع كان وسادتي .. في ليل غربتنا المخيف

رسم ناجي العلي فتاه "حنظلة" صبيًّا في العاشرة من عمره, واختار أن يكون طفلاً ليعبّر عن البراءة والصدق, وأسماه بحنظلة كرمز لمرارة الألم.

في المهد أرضعت الألم .. ومرارة الأم الصبور
الله لو يجدي الندم .. بين الخرائب والقبور

"لم يكن حنظلة شخصية كاريكاتورية ثابتة الرؤية، وإنما كان شخصية حية, لها مواقفها المختلفة, يؤيد هذا, ويعارض هذا حسب سياق الواقع من حوله, ففي بداياته قدمه ناجي صبيًّا فتيًّا مقاتلاً متفاعلاً فتارة يكون شاعرًا وتارة يكون جنديًّا"..

في الفترة الأخيرة من حياة ناجي قدمه بصورة مغايرة تمامًا وذلك بعد حرب 73 فقد أدار حنظلة ظهره للقراء وتشابكت يداه الصغيرتان معًا خلف ظهره، وسكت عن الكلام ربما ليكون مجرد شاهد وضمير أمة. (*)

قد يسأل أحدهم, عما كان ينظر إليه حنظلة ؟!

فأجيبه: "حسب ما تنظر إليه أنت !", فإن كنت تنظر تجاه نفسك, فإنّ حنظلة يوليك ظهره, لأنه بانشغالك عن قضيتك أوليته ظهرك, هو ينظر إلى فلسطين يتمنى أن يعود, وأنت تنظر إلى المادية تتمنى المزيد !

إني ولدت على الحدود بلا وطن
المهد يحتضن الصغير ولم أنل حتى الكفن
التائه المحروم يبحث عن قليل من تراب
والأرض من حولي خراب
ما دمت منفيا شريدا كل ما حولي سراب
الأمنيات السارحات على حدود البال
مرتعها الوطن
وإذا غفوت فإنما حلمي وطن
والشوق محتدم بهذا الصدر
يصرخ يا وطن
أين الوطن؟ أين الوطن؟

وإن كنت تنظر إلى القدس, فيجب ألا يصيبك القلق, فحنظلة يقف أمامك في الصف الأول, فهو كالطفل الذي خرج أبوه ولم يعد, فيخرج كل صباح ينتظره حتى المساء, فلا يعود, يتابع كل يوم سقوط الشمس على الأرض, ثم يقفل راجعًا يجر أذيال الخيبة, خيبته في الكبار, الذين يعدون ولا يوفون الميعاد..

أو هو كالأطفال يصحبهم أباؤهم يوم معركة النصر أو الشهادة, تجدهم يلعبون أمامهم, يتقدمون الجيش يحملون سيوفهم الخشبية, يحاربون بعضهم, يتدربون استعدادًا للقاء العدو, يتقافزون, يضحكون, يولون ظهورهم لآبائهم, ينظرون إلى القادم, فهو دائمًا أجمل - على الأقل بالنسبة لهم -.

أما حنظلة فقد تركته أرضه, أو تركها !, وهي له الجذور, وهو لها الثمر!, وبقي وحيدًا واقفًا ينظر إلى ما حُرِم منه, موليًا ظهره لكل من أولاه ظهره.

لا تظنوا أنه منذ تركه العلي وهو واقف لا يدرك ما يدور حوله, لا بل هو مدرك, يحلله كعادته بأسلوبه الساخر, ويتذكر..

أنا في تباشير الصبا .. في خيمتي بين الصغار
أغدو وأرجع متعبًا .. من حمل أحلام الكبار
أن يرجع الوطن الأغر

حلم الرجوع إلى الحياة .. حلم المشرد أن يعود
أنا لست أملك أن أرى .. إلا بإذن من يهود
أنا لست أملك أن أحن


إلا أنه أثناء وقوفه موليًا وجهه إلى فلسطين كعادته, وكان البحر خلفه, سمع صوتًا قادمًا من عمقه يقول: "قادمون, مهما كلفنا الأمر, قادمون حتى لو منعتنا الأرض, قادمون في البحر, نحمل الخير, نكسر الشر.. قادمون"..

التفت حنظلة, ولأول مرة منذ استدارته, التفت حنظلة لأنه رأى أن بعضًا مما كُسر في الماضي عاد ليندمل من جديد, شعر أنّ الرقع بات مقدورًا عليه في يد الراقع, التفت ينظر فهاله مشهد مذبحة, كتلك التي جرت وتجري على أرضه, سمع أصواتًا شبيهةً بأصوات أهله, شمّ رائحةً لم يشمّها منذ كان طفلاً في العاشرة, حين رسمه لأول مرّة العلي, فقد كانت رائحة الكرامة !

سقط من يده غصن الزيتون, أشار بيده إلى البحر, رفع يده إلى السماء, أنزلها ثانيةً إلى البحر, كأنّه يشكو إلى رب السماء ظلم أهل الأرض, ظلمهم في البر والبحر, لكنه كعادته؛ يبقى صامتًا, ساكنًا, وما هو بساكن !

يا قدس قد طال البعاد .. واشتقت ذيّاك السراب
الله من يحمي البلاد .. من أن تباع أو تشترى

وتكون أحلامي الثمن
وتكون أحلامي الثمن

ـــــــــــــــ
(*) سيرة ناجي العلي - ثقافة وفن - موقع إسلام أون لاين, فك الله أسره !
(**) القصيدة: وحدي, د. سمير الدهشان, وأنشدها أبو مازن.

8 تعليق:

عاشقة الأقصى)walaa rizk( يقول...

وتكون أحلامى الثمن


معزوفة تعزفها لا تكتبها استاذنا

لم أقرا عن فلسطين من فترة كلمات تنبض بكل المعانى التى تحملها القضية مثل ماكتبت

ويبقى حلم العودة لايفارق مخيلتنا ليل نهار
نحاول ان تكون أحلامنا وما نفعله خالصا ليصب فى النهاية
لتلك القضية

ننهض بأنفسنا لها ونحلم بعودة مجد يعيدها من جديد
لا حلم ونحن نيام
ولكن حلم وقلوبنا فى يقظة وحركة وإرادة

سدد الله رميك بكلماتك الرائعة

تحياتى لك

gehad mousa يقول...

حلوة اروى واهلا بالعودة الحميده لنا وطبعا فلسطين وغزة فى القلوب والاذهان مهما طال الزمن

gehad mousa

آمنة محمود يقول...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تركيا ما اعظم هذه الدوله التي باشرت برفع حصار غزه رغما عن انف المتخاذلين لكن حنظله سيبقى رمزا للوطنيه حتى تتحر فلسطين ورمز حنظله مرتبط فقط بقضية فلسطين التي لا احد يجد لها حلا لكن نسال الله ان الانتصار قريب باذنه تبارك وتعالى.

دمت بخير

أم الخــلـود يقول...

فعلا طالت .. ولكن القدس .. قدس الله .. وفلسطين أرض العرب وأرض الإسلام وأرض الأمة.

(حملة الجسد الواحد)

أرجوا من المدونين الموقرين أن يضعوا شعار الحملة في الشريط الجانبي لمدوناتهم تضامنا مع أمة محمد !!

صورة الشعار .. في مدونتي كركر .. ويكتبون فوقها ..

(حملة الجـسد الواحـد)

رابط المدونة

http://krkr111.blogspot.com

جعله الله في ميزان حسانتكم .. آمين

SHAHEENSHY...فوضى منظمة يقول...

ومن يدري لعل النصر قريب .. ان شاء الله

شهاب الأزهر يقول...

رائعة.. بصراحة.. أذهلني تألق لافتتكم تلك..

تحياتنا إليكم من موقع إسلام أون لاين سابقا.. ودعواتكم للوليد الجديد بأن يشب يافعا نافعا

نـور يقول...

بارك الله فيك على هذه الكلمات الرائعة وعلى هذه التدوينة المميزة
نور من غزة
http://nourelkhoudary.blogspot.com/

قـلــم ودفـتـر يقول...

تدوينة اكثر من رائعة ، تقبل مروري
قلم ودفتر من غزة - فلسطين

إرسال تعليق

التعليق متاح للجميع, حتى لمن أراد أن يعلق بـ"غير معرف", كما أنه متاح ومطلوب من أولئك المخالفين لرأيي, أو النقاد, وأرى أني يجب عليّ أن أنوه إلى أني عادة لا أرد على التعليقات, فما فوق كلمة "تعليق" ملكي أكتب فيه ما أشاء, وما تحتها ملكك تكتب فيه ما تشاء, وكلانا ملك لله, فلنتقه.