بين السماء والأرض


يبذل الكثير منّا الجهد الجهيد لمقابلة من يعلمه, أو يثبّته بكلامه وحكاية حياته, وهذا فضل من الله ونعمة, لكن أن يقدر الله ويرسل لك مَن يهدي إليك كل ذلك, دون جهد أو مشقّة, فهذه نعمة أعلى وأفضل, فالبعض ارتحل لينهل من علم الإمام أحمد ابن حنبل, إلا أن الله "جرجره إلى عبد من عباده" ليحقق له سؤله, ويثبّت به فؤاده,  وهي حجة قائمة على من عرف, وهذا ما حدث معي.

في صباح يومٍ من أيام الربيع المشرقة, وكم من أيام بدأت ليلاء مظلمة, التقيت مع رفاق رحلتي في تباشير الصباح, كان الأمل لا يزال طازجًا, لم تعتريه آثار وعناء الأيام.

لم يتغيّر اليوم عن سابقه في شعوري به, فما زلت أرى الجميل في الحياة باهتًا, الألوان ليست على حقيقتها, والأصوات نست مكانتها, إلا أن رائحة السماء كانت غريبة بعض الشيء.
"
كرّاسات التلاميذ وصل دخان احتراقها لأبعد البقاع, ووصلت المذبحة للمساجد, والملاجئ والمستشفيات.
"
جلستُ مع رفاق رحلتي, مؤمّلاً أن تغيّر صحبتهم الزكيّة, والطبيعة النقيّة, بعضًا مما يعتري صدري من وعرات ونتوءات ليست من الطبيعة في شيء, لكنها نتيجة لعوامل تعرية, محمّلة بعناء أيام, وفراق.

مرّت أفواج الناس عليّ واحدًا تلو الآخر, أتدبر وجوههم, وأقرأ ما لم تقله شفاههم, فكل واحد منهم يحمل قصة, تختلف في أبطالها, إلا أنها قد تتوحد في موضوعاتها (الحب, الطعام, السكن, الأبناء, الزواج,...), وفي الأثناء, أثناء التأمل, ومحاولة الاسترخاء, وجدت قصة تختلف عن كل ما سبق, أبطالها في عليين, مع النبيين والصديقين, وموضوعها الشهادة.

***

كتب القدر معجزته أن أقابل هذا الرجل, رجل الفعل, وتلك اليد الشريفة التي جاهدت, وتركت الجنة وعدًا عليها أن تجمع ما ذهب منها إليها مع باقي الجسد.

بالتأكيد حين تراه ستتذكر قوله تعالى: "مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا", إذًا فهو - بإذن الله - من المنتظرين.

يالجمال كلماته حين أخبرني أنه سعيد أشد السعادة للقائي. حينها تساءلت في نفسي "ربما يجاملني برقيق كلماته, وعذوبة ألفاظه ؟", لكن صدقه لم يوحِ إلاّ بذلك, لم يوحِ إلا بحبٍ عميقٍ لنا, مع عظيمِ تخاذل قدّمناه له, وإخوانه.
"
لَمْ يَسْلبنِي الاحْتِلال أبنائي, بل أنا قدّمتهم راضيةً مختارةً للشهادة، هؤلاءِ الأبناء لم يذهبوا سدى, بل عَرفوا واجبهم وقاموا بتأديتِه, واصطفاهم الله شهداء.
"
"هو" لم يلق شهرة كتلك التي لقيَتْها "هي", رفيقة مجلسه, ومنبت حياته (أدام الله فضلها وبارك في عمرها), فهي قد سنّت سنّة عظيمة, سنّتها وهي تودع أبناءها شامخة على باب الشهادة, ثم انطلقت من بعدها تذود عن أبناء شعبها الأسير, تنوب عنهم وتطالب بحقوقهم, وتجاهد بالكلمة, وتظهر - وهي التي خطت الأحزان على وجهها أكثر مما خطته أعوام عمرها الستين - كجندي شاب في ريعان شبابه.

كتبت هنا يومًا, أنّ المرضَ إن كان في جسدك فربّما يمكنك احتماله, لكن إن كان في جسد حبيب فإنك لا يمكن أن تتحمله. اليوم أقول: "أنّه بالإضافة لما سبق فالمرض يكون ألمه أشد, بل قاتل أحيانًا, حين تكون أنت السبب فيه".

شُغل الجميع بالتحليل, حتى من لا يملك أساسياته وحدوده, وبدون تناول ذلك بالمثال, يكفينا مطالعة مواقعنا ومدوناتنا العربية, وقراءة مقالات الكتاب والأعمدة, أو التطرق لأي موضوع في وسائل المواصلات, أو بين الأقارب والإخوان, سنجد أن للجميع رأي, وهذه ليست مشكلة, فأن يحلل الشخص ما يتعرض له في حياته أمر إيجابي, لكن المشكلة تكمن في أن يقضي المرء حياته كلها في التحليل, لا يفعل غيره, دائمًا ما تجده جالسًا على منصّة الحَكَم, لا يبرحها حتى إن تساقط أفراد فريقه, وانفرطوا, وتخطفتهم الطيور الجوارح.

"التفكير أمر جيد, لكن التفكير المنتج هو المطلوب" وهذا سبب همومنا, نفكّر, ثم نفكّر, ثم نفكّر, لكن.. ماذا بعد ذلك, لا عمل, نعترض في أفكارنا, ولا نقوم بفعل الاعتراض, نتخيّل أنفسنا نجاهد, ثم يأتي الجهاد من امرأةٍ ذات عقيدة مختلفة, لتقف أمام جرار الهدم الإسرائيلي تمنعه التقدم, فيدهسها !

نقول: "يجب علينا أن نذهب إلى غزة, الضفة, فلسطين, العراق, أفغانستان, الشيشان, يجب أن نساند أهلنا وإخواننا, نبذل لهم أموالنا", ثم يذهب غالوي إليهم, منفْذًا فيهم "شريان الحياة".

أوبعد كل هذا نفكر ؟, فيم نفكر ؟, ولمَ نفكر ؟, بعضنا كفر بالتفكير, هجرَه, ظانًّا أنّ تأخّرَنا لانسياقنا وراء عقولنا نفكّر في حلٍّ, أو ردّ, أو عمل, ونسينا أنّنا انشغلنا بتفكيرنا عن العمل.

في حياتي العادية, أجاهد نفسي لأصبر, وأبذل مجهودًا أكبر لأرضى وأنا أحيا حياة منعمٌّ فيها, ولديهم يُستشهد أبناء الرجل أو المرأة وزوجه وأبويه وإِخوانه, عائلته كلها, وعندما ينطق, أقول سيتأوّه, سيبكي ويصرُخ, سيندِب حظّه, سيدعوه بالحظ العاثر, سيقول أي شيء يعبّر به عن غضبه الهادر, ولكنه يخالف كل توقعاتي, فيقول: "استشهدوا.. الحمد لله.. إحنا صامدين".

أفقت لأجد اللقاء قد انتهى, حرص الجميع على التقاط الصور معهم, لكني لم أحرص على ذلك, فالصورة لا تحمل إلا الأجساد, بينما المشاعر لا تحملها إلا القلوب, تبادلنا السلام, وأرقام البعاد, وانصرفوا.

انصرفوا تاركين وراءهم قلوبًا مكلومة, وأفئدةً محزونة, وعقولاً غائبةً في سكرات اللقاء, تتمنّى ألا يمرّ اليوم الذي التقت فيه العيون, وتلامست فيه الأيدي, واستنشقت فيه الصدور عبيرًا فوّاحًا, أسموه "عبير الشهادة".

***

انصرف كلّ صاحبٍ إلى صاحبِه, واختلى كلّ حبيبٍ بحبيبِه, وبقيتُ واحدًا وحيدًا, أمارس هوايتي الصامِتة, مُطالعة وجوه الناس, أعقد المقارنات بين حالهم, وحالي, وحال من سبق ممن رحلوا, ومن هو باق.

وعند الغروب جلستُ إلى السماء أشاطرها تارةً الحزن والبكاء على ذنب زعزع أواصر البنيان, وتارة الفرح, والسعادة, والهناء, على رزق ساهم في تثبيته.

لم أستطع كبح جماح نفسي أن أكتب عن هذا اليوم الذي التقت فيه السماء بالأرض, يوم أن فتحت طاقة ضوء أنفذته إلى قلوبنا, فأشعرتني بحياتي المنسكبة دون إدراك مني, فتركتُ لنفسي عنان القلم, لتخطّ بمدادِه ما عجز اللسان عن قوله.

إلا أنّ نور اليوم الذي شع فلم يدركه غير ثلة كانت قائمة لله, وأصالة البنيان الإسلامي المحيط, واطلاع الله سبحانه على عباده, لم يمنعوا حبيبين أو مدّعيا حبٍ من الحديث بصوتٍ مرتفع, مكوّنين مع أصوات غناء تتصاعد من مكان ليس ببعيد عنهما, سيمفونية مزعجة, كذبذبة أرضية توحي بقدوم العذاب.

انتهى اليوم, جامعًا بين طيّاته مفاهيم اختَلَفَت, وحقائق زُعزِعت, وطفقتُ عائدًا إلى الحياة, لأدور معها دورتها, مستكملاً ما تركته معلقًا على عين قدرها.

7 تعليق:

غير معرف يقول...

لقاء المجاهدين يرفع الروح عاليا..

جميل :)

عبدالله

غير معرف يقول...

هل كتبت ذلك فى ذكرى لقائك بالمجاهدة ام نضال؟؟؟؟؟؟؟
مانزل بلاء بقوم الا بذنب وما يرفع الا بتوبة....... التوبة

جمعاوى يقول...

أنكأت الجراح

دندنة قيثارة الوجد يقول...

وانا أيضا أحب كثيرا ممارسة هوايتي الصامته ولا تقتصر على مراقبة الناس فقط .. بل مراقبة كل ما يحيط بي

جميل جدا ما قصصته .. وتبقى مجاهدة النفس فضيلة

Gehad mousa يقول...

فما زلت أرى الجميل في الحياة باهتًا, الألوان ليست على حقيقتها, والأصوات نست مكانتها,
حقا لن تكون الالوان يوما على طبيعتها ....سلمت اناملك على هذه الكلمات الرائعه وننظر دوما المزيد من الابداعات

زمرده يقول...

الفرق فيما بيننا وبينهم ان افعالهم تسبق اقولهم
واقولنا اكثر من افعالنا


ابدعت اخي
اخذتني كلماتك الى هناك
الى المكان والزمان ذاته "حيث كان اللقاء"

Bongo يقول...

كلمات صادقة فنفذت للقلب. شكرا لمشاركتنا بها.

إرسال تعليق

التعليق متاح للجميع, حتى لمن أراد أن يعلق بـ"غير معرف", كما أنه متاح ومطلوب من أولئك المخالفين لرأيي, أو النقاد, وأرى أني يجب عليّ أن أنوه إلى أني عادة لا أرد على التعليقات, فما فوق كلمة "تعليق" ملكي أكتب فيه ما أشاء, وما تحتها ملكك تكتب فيه ما تشاء, وكلانا ملك لله, فلنتقه.