ما بعد الوداع


تخلّى صديق عن أشياء ظنّ أنّها غير ذات قيمة, أو ربما هي من تخلت عنه, بالرغم من أنه ذو قيمة, أحد هذه الأشياء صندوق. وبعد عناء وجهد واجتهاد آل إلي الصندوق بما يحتويه. قد يتعجب البعض من ذلك, لكن احتواءه على بعض ما أهديته إيّاه, وما حلمنا به, وما اجتمعنا عليه, وما كتبناه سويًا, دفعني بقوة إلى محاولة الحصول عليه بأي ثمن.

ومما وجدته في الصندوق هدايا مغلقة, وأوراق حلوى, وقطع معدنية وخشبية صغيرة, بعضها منقوش عليها اسميهما, و"رسائله إليها" التي لم يرسلها, ومدونته الورقية, و"رسائلها إليه", تلك الرسائل التي كانا يكتباها بكل ما آتاهم خالقهم من عاطفة, أحسبها صادقة. إلا أن هدايا القدر المغلقة فاجأتهم بواحدة, كان ناتجها أن وصلني الصندوق, يحتوي فصلاً ممّا دار بينهما.



صديقي الملتزم بتعاليم ربه, لديه تضخّم في إحدى شخصياته – وكثيرٌ منّا كذلك – يظنّ أنّها (البالغة المفكرة), لكن الحقيقة وهي ما تدل عليه جميع تصرفاته أنها شخصيته (الطفولية), وهي شخصية تتسم بالحساسية المفرطة, يعيش صاحبها في فلك نظرية التمركز حول الذات, والتي تكون في مرحلة الطفولة والمراهقة, وفيها يشعر أن الأنظار تتركز عليه, وأن كل شيء يدور في فلكه هو, وأن الآخرين يهتمون بكل تصرفاته.

هي شخصية ممتعة, لا تحب الظهور أو الشهرة, أوّابة, توّابة, رغم أن غضبتها قريبة, إلا أنها حانية, كما أن عفوها أقرب, تعود ناسية, تعاني كثيرًا, وتأبى أن تحمّل الآخرين ما بها, وهذا سبب في تعاظم الألم داخلها, وسبب في اتخاذ صاحبها بعض القرارات غير الصائبة, فهو في ذلك الوقت يحتاج لأن يتخذها بشخصيته البالغة المفكرة, لا بشخصيته الطفولية. وهذا لا يمنع أنه شخصية (بالغة مفكرة), فجميعنا لدينا الشخصيات الثلاث, كما يجتهد في السيطرة على شخصية (الأبوية الناقدة), وهو متميز في أداء شخصية (الأبوية الراعية).

أما "هي", فقد كانت كما تمّناها, وكما رآها في حلمه الصغير, وكأي حالة حب بدأت الحكاية, إلاّ أنّ نهايتها لم تكن متوقعة - بالنسبة لهما على الأقل - حيث انتهت علاقتهما برسالة, كان فيها "وما حسبتُ يوما أن تنتهي علاقتنا برسالة, أو أن يستبدلها الزمان بأخرى"*, إلا أن الرسالة التي بين أيدينا واحدة أخرى, كتبها تحت عنوان: "ما بعد الوداع", هي في الحقيقة مسودة, يظهر عليها هوامش, وعبارات جانبية كثيرة, ولا يظهر منها هل أرسلها أم لا.

هل أطلت في التعريف به؟ لا أظن, إذ يجب فهم طبيعة المرسل, وظروف كتابته للرسالة:

"أتردد كثيرًا قبل أن أكتب لك بدءًا أو استدراكًا.. ولكن ما وصلني منك أشعرني بما أنت عليه, لذا فقد آثرت أن أترك لكلماتي العنان.. فناتجها بالتأكيد لن يزيد ما بك, أو يرغمك على تذكر ما كان بيننا.. إن كنت قد نسيته !

أسائل نفسي أحيانًا كثيرة, تُرى.. عندما أناديها, ما اللقب الذي سيسبق حروف اسمها ؟؟ هل أضع لقبًا تمنيته, أم أضع اللقب متبوعًا برتبة "سابقة" ؟؟

على كل.. فإني لم أقف عند أمر اللقب كثيرًا, فبالرغم من أن المظاهر والألقاب تُضفي على أصحابها رونقًا وبريقًا خاصًا, إلا أنها لا تظهر حقيقتهم سواءً كانت خيرةً أو سيئة.

تمامًا.. هذا هو سبب فراقنا, المظاهر والألقاب, قد يظنها البعض عدم تقدير جيد, ولكني أرى أنها اختلاف في الموازين. فالتقدير يتحد فيه الميزان ويخطئ الشخص في القيمة, لكن اختلاف الميزان يؤدي إلى تقدير مغاير تمامًا للحقيقة.

فميزان الكلام لا يمكن أن يوزن به العمل, وميزان المال لا يمكن أن يوزن به التقوى والخلق الحسن, إن أكرمكم عند الله أتقاكم.

(على هامش الرسالة كتب: "في فترة من الفترات, كنت أظن أن فراقنا سيقتلني, وبعد فراقات كثيرة, ما زلت حيّ أكتب").

منذ افترقنا, وصلتني منك رسالات كثيرة, وبالرغم من كونها صيغت بأسلوب خبري تقريري, إلا أنها كان بها معان إنشائية عميقة, منها ما صوّر, ومنها ما مثّل, ولكن كانت أقساهم تلك التي سألت !!

حاولت كثيرًا الإجابة على تساؤلاتك, وكما عرفت عنّي فإني أحب أن أدلل على الإباحة بالعمل, وعلى السنة بالتكرار, وعلى الوجوب باللزوم حتى الممات, لكن لم أجد في أي مما تعلمته ردًا على سؤالاتك.

أما اليوم, وبعد مرور سنوات على الفراق, فإني أصبحت "أتذكرك كماضٍ, وأحن لك كعاشق"**, وها أنا ذا أثناء كتابتي لجملتي الأخيرة أتذكر مقولتك: "لا يمكن لقلبي الذي يراك كحبيب, أن ينظر لك كأخٍ أو صديق. لا يمكن للحب أن يتبدل".

انتهت رسالته الأخيرة, التي أظن أنه لم يرسلها, ولم تعرف "هي" أنه كتبها في الأساس, إلا أنّه - وكما أعرفه - يجد في كتابته مثل هذه الرسائل راحة نفسية عميقة, وشعور بأنه قد بلّغ رسالته, رحمة الله على كليهما.

ـــــــــــــــــــــ
(*)(**) من كلمات الشاعر نزار قباني (بتصرف).

11 تعليق:

غير معرف يقول...

مؤثرة جدا:)

الحسناء يقول...

رحمة الله على كليهما .. آمين

Gamal Saeed يقول...

دوما مبدع يا وضاح ده طبعا شأن كل مواليد فبراير .. اسلوبك رائع، فيه غموض صحيح وده جزء من شخصيتك العصية على الفهم .. يعجبني فيك انك بتتعلم من اساتذتك .. استمر يا فتى

المشتاقه للجنه يقول...

رائعه بجد

Ahmed Emam Mohamed يقول...

من الآخر :)

sheerif يقول...

صديقك الذي اهمل الصندوق وعثر بعد ذلك علي شئ منه يبحث عن المتاعب, كلما يعثر علي شئ منه سيفسد عليه حاضره فلا هو نسي ماضيه. ولا يستطيع ذلك .هوكما قلت اولا ظن ان هذه الأشياء ليست لها قيمه.

حديقة الخير يقول...

السلآم عليكم
هي قصة من بين الاف القصص
قصص الحب التي تكون خارج نطاق الزواج
فسيعاني صاحباها طول حياتهم
جزاكم الله خيرا

Gehad mousa يقول...

رائعه جدا

من انامل اروع فى الكتابه

سننظر دوما الافضل من اناملك دائما

غير معرف يقول...

ننتظر منكم كل ما هو جديد

فتاة من عالم آخر يقول...

أخى...
أولا أظنك أسأت فهم صديقك
قلت بأنه تخلى عن أشياء ظن أنها غير ذات قيمة ولهذا أسأت فهمه فلربما تخلى عن تلك الأشياء لأنه يخاف من أن تذكره بماضيه وتزيد من جرحه خطورة وربما تخلى عنها لأنه تأكد من تعلقه الزائد بها وعلم أن تعلقه هذا لابد أن يكون من الماضى حتى يستطيع أن يعيش حاضره ويخطط لمستقبله.
ثانيًا إذا علم بوجود هذا الصندوق معك فستجدد جرحًا قديمًا وأظن صديقك لا يستحق كل هذا الألم
وإذا لم يكن يعلم بأنك وجدت هذا الصندوق فقد أخطأت لأنه ليس من حقك أن تكتب عنه أو أن تطلع على ما فيه حتى وإن كان فيه ما يخصك
ثالثا تعليقى على الموضوع نفسه
أضطر لأن أحتفظ به فما شعرت به بعد قراءتى لم تستطع يداى أن تكتبانه ولم يحتمل نطقه لسانى
شكرا على ما خطت أناملك

الوان الحياة يقول...

ما اقسها من زكريات تمر علينا

إرسال تعليق

التعليق متاح للجميع, حتى لمن أراد أن يعلق بـ"غير معرف", كما أنه متاح ومطلوب من أولئك المخالفين لرأيي, أو النقاد, وأرى أني يجب عليّ أن أنوه إلى أني عادة لا أرد على التعليقات, فما فوق كلمة "تعليق" ملكي أكتب فيه ما أشاء, وما تحتها ملكك تكتب فيه ما تشاء, وكلانا ملك لله, فلنتقه.