السبت، ١٩ سبتمبر، ٢٠٠٩

الشَرنَقَة..

ظلامٌ دامس.. ضيقٌ خانق.. الأصوات تأتي خافتةٌ مكتومة.. انتهت آخر شعلة ضوء منذ وقت طويل , لم يكن يعرف أنّه سيظل كل هذا الوقت في الداخل..

نظر حوله, تشابهت الطرق التي لا يراها, حاول أن يقول شيء.. لكن لا شيء, فهو لم يتكلم منذ ولادته, ولا يعرف معنى الكلام .. ولكنّه يفكّر.

فكّر فيما آل إليه حاله , تُرى هل اتخذ القرار الصحيح حين قرر أن يدخل , ولم دخل في الأساس , للفضول أم للبحث عن .. عن .. عن "شيءٍ" ما.. ؟؟!!

تذكر اللحظات التي شعر فيها أن داخله يهرب منه - سيعرف بعد ذلك أنّه القلب - كلحظة سقوط , أو لحظة غرق نجا منهما , وظل حيًا بعدها , وها هو ذا قد هداه تفكيره إلى أن يغامر ويدخل.

تذكّر كل هذا , حكّ رأسه وقال: "لا بد أنّ هناك من يساعدني , هناك من يراني ولا أراه , هناك من يشعر بي , هناك من هو مطـّلع عليّ , هناك من يسمعني .. إذْ كيف يحدث لي كل هذا ؟؟!!

كيف أسقط مرّة من على الجبل ولا يحدث لي كما حدث للنمر القوي الذي سقط من عليه ولم يتحرك بعدها , وكيف هُدي هذا الحمَل للمشي بعد أن كانت قدماه لا تحملانه , من أخبره أن هذه الأربع إنّما جُعلت للمشي , وما أدراه أن هذا الضرع المنتفخ إنّما فيه غذاؤه .. أمرٌ غريبٌ حقا !! ..".

انتبه فجأة متعجّبًا .. كلما حاول أن يستخلص أمرًا, أو يحسب رقمًا, أو يوازن, أو يقدّر, أو يحل معضلة.. حكَّ رأسَه, تُرى أفي الحكّة الإجابة ؟؟!!

استسلم لفكرته مرةً أخرى.. "نعم أشعرُ بك .. أنت تسمعني .. أنت تراني .. أنت مطلعٌ علي .. أنت تساعدني وتهديني , تعرف أنّي ضللت طريق العودة , تعرف أنّي جئت لأكتشف الحياة , تعرف أن وسائلي وعيداني التي كنت أستعين بها على الطريق قد انقضت , ولكن .. أنت أنت .. أنت من أخرجتني من كل ما سبق .. وستخرجني من هنا".

شعر بنسمة هواء تلفح وجهه , فاستدار لها , عرف أنّ هناك طريقًا لمخرج هواء ولهُ , فالهواء إنما يندفع نحو المخرج , كأنما تحمله يد خفية تعرف الطريق .. ترفعه إلى السماء دائمًا.

شعر بأنّه قريب .. تأكد أنّ "من" يشعر به .. ويراه: إنّما يساعده ..
ابتسم , وقام يتحسس الطريق.

خطوة قدم .. وقبضة يد , وضخة قلب , وشعور بـ "آخرٍ" يحميه , جعلوه يضغط الظلام ضغطًا من حوله , يتحداه , يقهره , يمشي فيه مهتديًا طريقه , كأن بداخله سراجًا يضيء له , أو حارسًا يتحسس له , أو دليلاً يمسك يده.

ولكن.. فجأة..
ضاعت النسمة , واضطربت الاتجاهات , فلم يعد يعرف أين الهواء , ولم يعد يعرف اتجاهه , أيضًا .. فهو لم يصل للمخرج.

ثقلت قدماه , فارتمى بجسده أرضًا , ظل محملقًا في لا شيء , اللهم إلا من بعض الصور العابرة التي يراها تمرّ أمام عينيه , كأنها تحدث اللحظة , وكل صورة تخبره أن "أحدًا" كان معه طوال الوقت , فهو لم يكن وحيدًا كما كان يعتقد , ظلّ على حاله طويلا , ثم نام.

مرّ وقتٌ .. لا يعرف مقداره إلا "هـُو" .. رأى شعاعَ نورٍ , تمنّى ألا يكون مَثَلُه كمَثَلِ الصور التي يراها في نومه وعند استيقاظِهِ لا يجد شيئًا منها , ولكنّه سمع - كما يسمع دائمًا - صوتًا عميقًا يأتي من مكان ما, تلفّت .. ربّما من هنا , أو من هنا , ولكنه شعر أنه يأتي من كل مكان حتى نفسه .. سمعه يقول: "كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ" .. فصدّق وقام..


الجمعة، ١٨ سبتمبر، ٢٠٠٩

في دعاء ختم القرآن: للبيت رب يحميه


دعا الإمام دعاء الختم الليلة.. بدأ بحمد الله والثناء عليه, ثم صلى على النبي محمد صلى الله عليه وسلم, ثم دعا..

مشاعر غريبة تجتاحني أثناء دعائه, أرّقتني في خشوعي, وشغلت تفكيري, فأصبح هو يدعو, وعقلي يصارع فكرة تسيطر عليه..

غالبتها مرارا وتكرارا, ولكن بلا طائل, فالفكرة تملكتني, وأصبح دعاؤه يزيدها لهيبا واشتعالا, وهكذا طوال الدعاء, أصارعها, فأصرعها, وتصارعني, فتصرعني..

وجدت الإمام والمأمومين, قد شاركوا في أكبر عملية إفراغ شحنات عرفتها وشاهدتها !!, عملية تشعرك بأنك قدمت الكثير, وبذلت ما في وسعك, بينما أنت لم تقدم إلا أنك دعوت.. ثم انصرفت !!.

نعم.. دعا الإمام, ودعا المأمومون خلفه, ابتهل, وابتهلوا, بكى, وبكوا, صرخ, وصرخوا, ختم, وختموا..

الدعاء في مجمله رائع, طيب, لا يمكن أن نقول عنه إلا أنه جمع من الخير الكثير, فبعد أن قدم الإمام للدعاء بالحمد والثناء والدعاء, دعا بالمغفرة والرحمة وسعة الرزق, وتيسير الحياة, واستعان بالله على الحياة, ودعا الله تخفيض الأسعار... ثم دعا للمسلمين بعمومهم, وللمسلمين المستضعفين, في فلسطين أولا, وفي الشيشان, والصومال, والسودان, ودعا أن يفك الله أسراهم... ثم دعا للحكام بأن يصلحهم الله, ويصلح حاشيتهم, ويستبدلها بحاشية أفضل, تسعى إلى الخير... ودعى الله سكنى الجنة, والفردوس الأعلى, ورؤية وجهه الكريم.. بالإضافة إلى الكثير من الأدعية..

ما أرقني وشغلني, هو انسجام الناس من حولي في الدعاء, وتأثرهم به, وعدم تطابق حالهم, ودعائهم مع فعلهم قبل وبعد ذلك !!

تناقض غريب بين موقفهم وبكائهم لله أن يغفر لهم الذنوب, وموقفهم من الفن الهابط, ومشاهدتهم وسماعهم له, وأكلهم الربا, وظلمهم الوارثين, وعقوقهم الوالدين, وعدم تربيتهم أولادهم, وغيره !!

دعاؤهم أن ينصر الله ويعز المسلمين دعاء طيب, ولكن ماذا قدموا بجوار الدعاء ؟؟!! فهم لم يشغلوا بالعمل لقضايا المسلمين, الأدهى والأمر أنهم دعوا الله أن يغفر لهم تقصيرهم.. ما أعرفه أن التقصير يكون مع بذل الجهد, ولكن من لم يبذل الجهد لم يدعو الله أن يغفر له تقصيره ؟؟!!..

أما عندما دعوا بأن يصلح الله الحكام, ويستبدل الفاسد منهم, ويغير بطانتهم, فقد كدت أصاب بنوبة, إذ كيف يجرؤون على الدعاء بأن يغير الله لهم الحكام, ويصلحهم... وكثير منهم يخشى قول كلمة الحق, وبعضهم متخاذل سلبي في حياته, لا يجرؤ على الحديث عن الحكومة فضلا عن أن يحاسبها.

أما طعم المرارة فإنك بالتأكيد ستسشعره إن كان الإمام يدعو أن يفك الله قيد أسرى المسلمين, ولك أسير لا يزال في محبسه, مرارة بالتأكيد لا حدود لها, فهؤلاء القوم, شاركوا بسلبيتهم المعهودة, وانطوائهم وجهلهم, في عملية الاعتقال..

ما رأيته هو إيمان عميق من الناس بأن الله موجود, نعم.. ولكن في المسجد, فالمساجد قد امتلأت, واللحى ابتلت, ولكن لم أجد الله في أفعالهم خارجه..

وجدت لسان حالهم يقول: "أنا رب هذه, أما البيت فله رب يحميه" حتى ما قالوا أنهم أربابه مسئولون عنه, فإنهم لم يكونوا على قدر هذه المسئولية.. فقصروا في بعضها, وتخاذلوا في الأخرى, وهاجموا الناصحين في الباقي..

بكت قلوبهم راجين الله أن يتقبل منهم, وبكيت أنا على حالهم, وعلى حالي, فأنا منهم, وهم مني.. غفر الله لي ولهم..

الجمعة، ٢١ أغسطس، ٢٠٠٩

سحابة..

منذ فترة طويلة, مرّ على كثير من المدونات ما يسمى بـ "إكسير التفاؤل", وفيه كان المدون يحاول أن يكتب عن أشياء في حياته تدعوه للتفاؤل, ومما كتبه البعض أنّ: "وجود خمس تدوينات في صندوق المسودات في المدونة.. سبب للتفاؤل".

أتفق مع من ذكر هذا.. فالأفكار قد تأتي مسرعة, متتابعة, وتذهب كذلك مسرعة, ولكن جملة واحدة. لذا فتدوينها في "المسودات" أفضل من عدمه, حتى وإلم تجد فائدة من نشرها بعد ذلك, فتحذفها وأنت مطمئن.

إلاّ أني.. أجد في صندوق مسوداتي الكثير من التدوينات التي تحتاج لضغطة زر حتى تجد طريقها إلى النشر, ولا أجد داعيًا, أو دافعًا لذلك.

ربما لا يرتبط الدافع بقيمة ما كتبتُه, أو ما أرجوه منه, ولكن الدافع هو ذلك المحرك للحياة, أو الحرارة التي تتحول بفعل "القلب والعقل" إلى طاقة حركية تجعلني أضغط زر النشر.

يدخل عليّ رمضان في ظل حالة نفسية وعملية غير مستقرة, كذلك حال الأمة غير مستقر, تمتد هذه الحالة منذ شهور, هي في عمري طويلة, ولكن في عمر الأمة قصيرة, فما أطول السنة في عمرنا وأقصرها في عمرها, وهذه في نفسها مدعاة للتفاؤل, فلربما ما نراه نحن انكسار دام طويلاً مجرد "عثرة" ستقوم منها, كذلك أنا.

على الرغم من أني كتبت في مسوداتي عن "موانع الكتابة", إلا أني أثناء كتابتي التدوينة الحالية نازعتني نفسي على مسحها, وعدم إكمالها, تمامًا كما تنازعني لإبعادي عن نقاط حياتي الحرجة, التي يجب علي التواجد فيها.. إلا أن هناك مالم أذكره في تدوينتي المحفوظة, وهو شعوري بأني أكتب في لون من ألوان الكتابة, يرى البعض أحيانًا فيه بعض التكلف, أو خروج عن المعنى..

تكره نفسي شعور "الانتظار", فهو مملٌ, كئيب. الأسوأ أن يكون هذا الشعور مقترنًا بشعور "الوحدة". لذلك فإني أحاول أن أصطحب معي كتابًا يؤنس وحدتي, ويذهب عناء "الانتظار", وهذا ما يجعلني موضع سخرية أحيانًا, إذ كيف أحمل معي كتابًا إلى البحر, أو الحديقة, أو العمل.

إلا أنّي في غمرة انشغالي بمحاولة الوصول إلى ما أريده في عملي, أو ما أسعى إلى تعلمه, وما أجهل أحيانًا كيفية الوصول إليه, أتطلع دائمًا إلى الاستقرار.. ولكن أعود لاكتشاف ما اكتشفته مئات المرات, أن "الحياة دار كدٍ وتعب.. ليست دار استقرار حتى وإن بدا ذلك".

لا بأس.. أنا الحمد لله بخير.. :)

كل عام وأنتم بخير.. :)

الخميس، ٩ يوليو، ٢٠٠٩

بين كلمة ومعنى..

"لا يحب أن يظهر بدور الجاهل, ولا أن يغلبه أحد بحجة, ولكن يحب أن يكون على دراية بحقيقة ما تمر به حياته, قادر على تفسير الظواهر, والرد على الأسئلة, والمشاركة في المناقشات.. والانتصار, ولكن مع هذا كله, فهو لا يحب أن ينسب فضل ما تعلمه إلى أصحابه".

بعد فقر علم, وجهل ملم, يجلس الآن البطل على كرسي الأستاذ, يشرح ويكتب ويملي, ويدير دفة النقاش.

ربما لو عاد بطلنا إلى الوراء قليلا, لوجد أنّ الأسئلة التي يجيب عليها, تعلمها من قبل في غرفة أستاذه, حين كان يسأله, أو شاهدها في التلفاز, واستمع إليها في الإذاعة, هو لم يأت بجديد, بل كرر بعض ما قاله آخرين.

إلا أني أتعجب حقيقة ممن اطلعوا على كلماته, وظنوا أنه أستاذ بحق, وظنوا أن لديه علما وفيرا نتيجة كتابته بعض كلمات حازت على إعجابهم, ولا يعرفون أن هذه الكلمات إنما هي نتيجة قراءة, أو سماع, والبعض الآخر تعلّمه من بعض أفعاله, وأفعالهم.

وبعد كل هذا, ألا يمكن أن يخطئ هذا الشخص, ولو بشيء يسير, ألا يمكن أن يأتي كلامه يوما دون مستوى ما كان, أو يبدو عليه التقصير.

أظن أحيانًا أن ما أكتب إنما هو محض تكلف, ولكن أعود فأقول: لعل هذا التكلف يرشدني إلى نفسي, أو يرشد غيري.

أحاول على قدر المستطاع أن أترك بين كلماتي مسافة, يستطيع القارئ أن يتنفس فيها, فلا يمل من سيلان كلماتي, ولا يطلب النهاية.

صدمتني عبارة أحلام مستغانمي, التي أجرتها على لسان أحد أبطال رواياتها, حين قالت: "الإنجاز الوحيد بالنسبة إلى كاتب, هو ما يتركه في كتابه من بياض"..


لم أدرك كثيرا حين بدأت الكتابة, أني أخط تاريخًا بيدي, وأن ما كتبته قد يلبث سنوات طويلة شاهدٌ على هذا العصر, وشاهدٌ علي. بل أن كل المدونات, هي في الحقيقة تأريخ فعلي مباشر, تأريخ يقوم به الأبطال, ولا أقصد بالأبطال هنا المنتصرين, فأولئك الذين هزموا أيضا, سيكتبون تاريخهم.. ولكنه لن يدوم طويلاً.

يقول الشاعر..

وما من كاتب إلا سيفنى … ويبقي الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفك غير شيء … يسرك في القيامة أن تراه

يقولون أن وراء كل أثر قدم في الأرض تاريخ طويل لصاحبها, ووراء كل كلمة أدونها قصة قد لا تظهر أحداثها عليها, ولكن.. هي نتيجتها, وهي المعنى منها.

في الحقيقة, فإن المعنى دائم, ولكن تتغير الكلمات, فلا تتعجب أن تلتقي بعد فترة, لا أعرف طولها, ببعض كلماتك, متمثلة إما في فعل آخرين, أو على لسانهم.

هل يمكن ان ينتصر المعنى, الذي تكبد صاحبه في سبيل معرفته الويلات, وهل يبقى حياً ينبض بالحياة و الأمل و التفاؤل, و بالحب, وهل يمكن أن تدل عليه بعض الكلمات المتناثرة التي يتركها هنا وهناك.


السبت، ١٣ يونيو، ٢٠٠٩

على جدار..

يا لهم من أناس تافهين, لا يعرفون الذوق, ولا يدركون مدى جمال تناسق ألوان الحوائط, يخربونها بألوان مقززة, وكلمات فارغة.. يا لرجاحة عقلي, وحسن أدبي, أنا غيرهم, لست مثلهم.. فأنا لا أكتب على الجدران.

هذه هي فكرتي, حين كنت أطالع جدران المباني داخل حينا, وخارجه. كان بعضهم يكتب عن إنتماءاته الكروية, أو يعبر عن حنقه من أحدهم, وغضبه عليه, أو إشادته بآخر. صاحبتني هذه الفكرة في السعودية ومصر.. وأظن أني لو زرت البلاد العربية كلها لوجدتها.. نفس الطريقة, وعبارات مشابهة.

كانوا يعبرون بهذه الوسيلة عن غضبهم, وفرحهم, حزنهم, وسعادتهم. في مقابل ذلك لم يكن لدي غير كراستي أدون فيها بعض ما أحب تدوينه, وتسجيل بعض ملاحظاتي.

لست بصدد الحديث عن هذه الظاهرة, ولكنها تستحق الدراسة, ليس من الناحية النفسية, أو الاجتماعية, ولكن من الناحية الأدبية, والسياسية.

فكثير من كتاب الجدران, لديهم ما يقولوه, عن أنفسهم, أو عن وطنهم, ولكن يمنعهم أمر ما, ربما في حال النفس يمكننا أن نتخيل أن الموانع قد يكون منها الخجل, أو عدم الثقة, فيخرج ما يشعر به على جدار..

أما في حال البلد, فإن عصا الأمن, وسيطرتها على الكثير من وسائل الإعلام, ووسائل التعبير عن الرأي, تؤدي إلى خروج مثل هذه الظاهرة.. وإن كان هناك أسباب أخرى.

إلا أني.. لم أكتب يوما على جدار,
أو أرسم على مقعد الدراسة,
اليوم جاءني هاجس قوي,
جمعت أقلامي, لملمت ألواني,
أمام الجدار.. لم أجد مكانا لأحزاني.

صحيح أني ربما لم أستطع الكتابة يوما.. ولكن, لدي حكاياتي مع هؤلاء, فعلى جدار.. كتب أحدهم رسالة:
"الحزن سهل المنال, والسعاتة شيء محال".
كتبت جوارها:
"صدقت, استطعت أن تكتب حزنك..
وما استطعت أن تكتب سعادتك..

لو أنك عرفت حروفها لملكت صنوفها".

وفي يوم شعرت بآهات تغزوا فؤاداي.. وأفكار مؤلمة تقيد عقلي.. فأردت أن أنفس عنها بكلمات, فذهبت أكتب, فوجدت أحدهم سبق وكتب ما أردت كتابته:
"مر من هنا مكلوم".
بعد فترة.. مررت على الجدار نفسه,
فوجدت مكتوبًا جوار الأولى:
"لست وحدك".

وفي غمرة انفعال القلب بفراق الأحبة, قرأت على حائط:
"لا يزال بقلبي بقايا أمنية,
أن يجمع الله يومًا شملنا,
فأنا ببعدك أختنق"
مررت بعدها بزمان, وجدت مكتوبًا بجوارها:
"لا زلت أختنق".

أما هذا الذي قام بتلك الجريمة المسلسلة, التي جعلتني أتتبعها على جدران المباني, فصرت كالمجنون أبحث عن جزئها التالي, قال:
"أبحث عنك..
فمنذ افترقت ضلوعنا.. وقلبي يئن
"

وعلى جدار آخر كتب:

"نواحي متكلف..
فكل شعور لا يخرج من القلب
إنما هو محض تكلف..
وأنا بين أضلعي.. كان قلبي
ولا زلت أنوح.. أعيديه".

وبعد فترة انقطاع.. عن التدوين على الجدران, كتب:

"اقترفت من الذنوب الكثير..
ولكن ذنبي الأكبر أنّي تركتك تذهبين.. فإلى لقاء".

فإلى لقاء..


الثلاثاء، ٢ يونيو، ٢٠٠٩

غريق على الشاطئ

في زيارة ربيعية إلى بحر الشمال, وجدت على شاطئ الاسكندرية متعة الشمس, والماء, وخضرة الأرض وصفاء السماء, كان البحر على مد البصر - بصري على الأقل - أمواجه مرتفعة, وأناس من هنا وهناك, يجوبون الماء, ينضحون الماء في وجوههم, ويضحكون, والأطفال تركض في كل مكان.

غرقت هناك, على شاطئ البحر, في رواية "فوضى الحواس", غريبة هذه الرواية, تأخذك "أحلام مستغانمي" في طبقات من القصص, في رواية وروايات, وأحاسيس وأحداث مرتبطة.. فقط بمداد القلم.

تذكرت الرافعي حين كتب عن "الربيع الأزرق" حيث قال :"الحياة في المدينةِ كشُرب الماءِ في كُوب مِنَ الخَزَف، والحياةُ في الطبيعةِ كَشُرب الماءِ في كُوبٍ مِنَ البَلورِ الساطعَ، ذاك يحتويً الماءَ وهذا يحتويه وُيبدي جمالَه لِلعين. واأسفاه، هذه هي الحقيقة: إِن دِقةَ الفهمِ لِلحياةِ تُفسدُها على صاحبِها كدقةِ الفهمِ للحُبّ، وإِن العقلَ الصغيرَ في فهمِهِ لِلْحُب والحياة، هو العقل الكاملُ في اَلتلذذِ بهما. واأسفاه، هذه هي الحقيقة! في هذه الأيامِ الطبيعيةِ التي يجعلُها المصيفُ أيامَ سرورٍ ونسيان، يشعرُ كل إنسانِ أنه يستطيعُ أن يقولَ للدنيا كلمةَ هَزْلٍ ودُعابة.... مَنْ لم يُرزقِ الفكرَ العاشقَ لم يرَ أشياءَ الطبيعةِ إِلأ في أسمائِها وشِيَاتِها، دون حقائقِها ومعانيها، كالرجلِ إذا لم يعشق رأى النساءَ كلهن سواء، فإذا عَشِقَ رأى فيهن نساءً غيرَ مَن عرَف، وأصبحنَ عندَه أدِلة على صفاتِ الجمالِ الذي في قلبِه".

جذبني البحر نحوه بعد أن تهربت منه لساعات, جلست أمامه جلسة التلميذ إلى المعلم, أنصت إليه بأذني, ويجذب هو نظري إليه, شغلت به عن كل شيء..

وكانوا قد أخبروني أن في البحر أسرار مكنونة, وأن الحديث إليه إنما هو فضل ونعمة, فهو لا يأت إلاّ بخير, إما أن يلهمك الإجابة, أو أن يمسك سرك, ويحفظه في أعماقه.. وأنا لكلمهم اتبعت, وللبحر أفضيت.

شغلت بالماء, والموج, ارتفاع هذه, وزبد أخرى, تخيلت أن أعمالي قد تكون مثل واحدة, تنتفش ثم تتفرق, وكأنها لم تكن لها هيئة يوما, أو لم يكن لفاعلها قلب ينبض. شغلت بانكسار الموجة الكبرى على أقدام الصغرى, عندما تعود موجة صغيرة من الشاطئ, وتقابلها أخرى عالية من عرض البحر, فإن الصغرى تكسرالكبرى, وكأن قانون الطبيعة يقول: "أن صغر حجمك لا يمكن أن يكون مبرر للسكون" من ثم تعود الموجة, وتتداخل مع أخواتها, وتترك المجال لغيرها, تقوم بما قامت به.

إلا أن عظم هذا المخلوق لم يشغلني عن سؤاله, هل ما أنا فيه بداية أم نهاية, وسيلة أم غاية ؟؟ فكرتي.. حقيقة أم خيال ؟؟ هل أفعل أم لا أفعل ؟؟ تساءلت عن الحب واللاحب, عن الشيء واللاشيء, أسئلة كثيرة.. (ربما لا تهم غيري).

وفجأة.. وعلى حين غفلة مني, وجدت من خرجت منه كأنها لا تشعر بي, أو كأني لا أجلس إليه, اقتحمت علي خلوتي, وأنا الذي ظننت أني قد أمنت نفسي ولم أجلس إليه إلا بعد أن غادر كل من جاء لينغمس فيه غمسة, دون أن يدرك أو يتدبر قوله.

لملمت نفسي, جمعت أسئلتي, نظرت حولي.. فوجدت قومي يرحلون, أدركتهم.. ونظرت خلفي معاتبًا, إذ لم يخبرني البحر.. إجابة ما سألت, وعدت أحمل سؤالاً أكبر.. ترى هل يخبر ؟؟

----

كانت في منتصف أبريل 2009

السبت، ١٦ مايو، ٢٠٠٩

ليست كأي رواية

"ليس كأي فيلم شاهدته.. ولا كأي قصة قرأتها.. هذه مختلفة".. هكذا حدث نفسه, سحب نفسا عميقا ملوثا بدخان السجائر, ثم أخذ رشفة من كوب قهوة أمامه, وحك جبهته كأنه يزيل عن فكرته شائبة اعترتها, ثم بدأ الكتابة.

كثير من الروايات العربية, تبدأ ونهايتها شبه واضحة, فالقصة لا تحتوي حبكة بوليسية تُعجز القارئ عن تخيل نهايتها, هذا إن أدرك الكاتب كيف ينهيها !!

سرت مع كاتب الرواية – هذا الذي يريد أن يكتب رواية ليست كأي رواية – فوجدته بدأ الرواية من نهايتها, وهذا موجود في بعض الروايات تبدأ من النهاية, ثم يجعل من البطل راو لها, يحكيها..

مرت الأيام.. ليست أيام كثيرة, ثم خرجت الرواية للنور, وإن كانت لم تره قبلاً في صدر وعقل الكاتب, وعندما خرجت لم يراجعها كما يجب, بل راجعها كما يحب, وألقى حمل تجميل عباراتها, واختيار ألفاظها إلى مراجع لغوي, ربما لو وزن فعله بجوار فعل الكاتب لرجحت كفته.

قسّمتها بخطوط طولية, وخطوطٍ عرضية, أما الخطوط الطولية, فخطوط شخصياتها, تلك التي تجعل لكل شخصية في القصة إطار يحكمها, لا تخرج عنه, وتجعل لكل واحدة منها مساحة تتحرك فيها, تختلف هذه المساحة من شخصية إلى أخرى.

ففي كثير من القصص العربية, نجد أن الشخصية المحورية في الرواية, أحيانا ما تطغى عليها أخرى, كما أن صفات الشخصية أحيانا ما تتداخل فيها أخرى ليست منها. أحيانا أشعر أن الكاتب يجب أن يكون لصًا إذا أراد أن يكتب عن شخصية لص, بل يجب عليه أن يحاول السرقة !!

لم يفلح كاتبنا في تفادي هذا الخطأ فوقع فيه, وتداخلت الشخصيات لديه, بحيث خرجت كل واحدة عن حدودها, وتداخلت فيها صفات لا تتوافق مع المجمل العام لها, فجعلها تبدو كقطعة صلصال حاول مثّال أن يجسّمها فخرجت غير متناسقة !!

أما عن خطوط العرض.. فقد كشفت الجزء الأسوأ في الرواية, حيث قسمتُ الرواية إلى ثلاثة أجزاء عرضية: البداية, والعمق, والتكشف أو الإشراق, فلحظة البداية, أحيانا ما تمتد في الرواية إلى العمق, فلا تبدأ الرواية إلا على مشارف النهاية, وتتداخل البداية في عمق الرواية, فيشرح الكاتب خلفيات حياة الشخصية, أو يسهب في وصف الحال, ويتناسى أن لديه عمق سيتناول فيه مشكلة, وأزمة سيصنعها ليوجد لها حل, وتجد الرواية لا تبدأ بالفعل إلا في المنتصف.

أما العمق.. فهي تلكم الصفحات التي تحمل عمق المشكلة, والإثارة والتشويق, وفيها تفاصيل الرواية, والشيطان يكمن في التفاصيل, فكاتب الرواية, أسهب في عمق الرواية لدرجة لم يستطع معها أن يحكم ربطها بلحظات الإشراق.

أما القسم الثالث من الأقسام العرضية فهو التكشف أو الإشراق, وفيه يتناول الكاتب لحظات انفراج الأزمة, وكشف السر, ورفع البلاء, وإشراق شمس النهاية, والشمس في الروايات لا تكون إلا في النهاية, أو ربما تكون حينها البداية.

وهذا القسم هو سبب أزمة الرواية حيث أنه مرّ سريعا وفي لحظات معدودة, فكثير من الروايات والقصص القصيرة يغوص الكاتب في تفاصيل البداية, ويغرق في عمق الرواية, ويمر سريعا على النهاية, فلا تأخذ منه إلا القليل, بحيث يبرز في روايته بداية يمكن أن تقول عنها جيدة, وفي العمق يغوص بك في تفاصيل المشكلة, ولدى ظهور الحل فإنه يأتي سريعا غير متوافق مع قوانين الحياة, فيجعل أسباب الإشراق بسيطة غير مكلفة, على عكس الحياة, ويجعلها أحيانا خالية من الوصف, "وفي الإشراق متعة القراءة, ومقارنة الحال بالمُشاهَد", بل أحيانًا ما تخرج النهاية مفاجأة للقارئ, فيُصدم لانتهاء الرواية !!

وقع الكاتب في أخطاء الآخرين, ربما سار في نفس طريقهم وظن أنّه سيصل إلى ناحية مختلفة, أو ربما الحياة أصبحت بهذه الصورة, مكررة, بدايتها طويلة, تفاصيلها كثيرة, ومشاكلها عميقة ارتبطت بشخصياتها برباط وثيق, وغالبا ما أصبحت تأتي لحظات الإشراق سريعا بوسائل لا تتوافق مع قوانين الحياة أو شريعة الخالق, وكلاهما سواء.

أحيانا ما تخرج الرواية كأن من كتبها ليس واحدا, بل اثنين, وهذه بالخصوص أخرجت فكرة لعبة, أو لنقل مسابقة, لتأليف قصة بواسطة عددٍ من الأشخاص, بحيث يكمل كل واحد ما قاله الآخر, وتستمر الحكاية.. فتخرج بصورة ممتعة, ربما تتعدى متعتها تلك الرواية.. ترى هل جربها أحدكم؟؟


السبت، ٢ مايو، ٢٠٠٩

أحاسيس متناقضة..

"ترك حبيبته على رصيف المحطة, وانطلق به القطار ينهب الأرض نهبا, ويبتلع قضبانه الحديدية كأنه الوحش الكاسر الذي لا يهدده قساوة الحديد, أو طول بنائه, وكأن ما حوله من أرض تخشى أن توقفه, كأنها قد أبرمت معه عقدا بموجبه لا يستطيع أن يعود بعده إلى حبيبته"..

هذه هي البداية التي نطق بها الراوي حين أراد أن يحكي حكايته, وربما تكون هذه هي البداية التي يمكن أن ينطق بها إن أراد أن يحك عن شاب وفتاة, افترقا في محطة قطار.. ولكن.. لدي في حكايتي بداية أخرى.

على رصيف القطار المتجه شمالا, حيث الأمل, والاكتشافات, عند النقطة التي نظر منها, فحسب أنه منطلقا إلى العلياء, تاركا خلفه الحقيقة الأبدية, متناسيًا إيّاها, مستغرقًا في التفكيرِ فيما سيجد, وكيف سيجده.

يمر شريط حياته أمامه كقطار مر في ذروة سرعته أمام عينك, أو كموقف تتخذ فيه قرارا في ذروة انفعالك. كذلك كانت حياته, سريعة, متقلبة, قراراته كلها لا يتخذها إلا في لحظة انفعال, لا يلبث أن يستقر على حال إلا وتغير, ولا يلبث أن يعتقد بمعتقد إلا سقط.

في الحقيقة.. كان يبحث عن شيء مهم لا يدري كنهه, هو يعرف أنه خلق له, ولكن لا يعرف.. كيف يصل إليه, وفي عميق نفسه, اعتقاد بلغ أغوارها – ربما هو الاعتقاد الوحيد الذي بلغ ذلك العمق – بأنه سيصل يوما إليه.

**

التقى بامرأة في ريعان شبابها, جذبته طلعتها, وجمال طلتها, فأخذته كعصفور صغير حلقت به نسمة هواء رقيقة, فارتفعت به في الهواء قليلا, أو كنحلة جذبتها رائحة زهرة زكية, وهي في الحقيقة رائعة الجمال.

**

"انطلق إليها.. لم يرد أن يظهر لها اهتمامه, مر بجوارها, فأخذته رائحة عطرها النفاذ, شعر كأنه سيخرّ مغشيّاً عليه, لفرط ما تحمله هذه المرأة من مقومات أنوثة طاغية, وجمال عبقري كزهرة بديعية لا تمل النظر إليها. ولفرط ما تحتاجه نفسه لحنان أنثى أو ود عاشقة.. فقد أوشك ان يرتمي إليها".

لا يزال الراوي يحاول أن يتملك مفردات القصة, فيأخذها بجمال أوصافه إلى منحنى آخر غير ما أردت, ويحاول أن يطغي عليها آثار امرأة تضع العطر, وتطلق خصلات شعرها, فتُشعر أي رجل بأنها أنثى, تحمل صورة مشابهة لصورة الزهرة البديعة الخلق, ورائحة كرائحة ياسمينة فواحة, ولكنها تملك طعمًا كطعمِ الزهر إذا اقتضمته.

**

لم يرد أن يضيع بكارة إحساسه على تلك المرأة الواقفة, وهو في الحقيقة.. لا يعرف عنها إلا أنها جميلة, عاد لربه, ونفسه, نظر مجددًا إلى شريط حياته, يمر عليه القطار تلو القطار, وهو لابث لا يتحرك.

"على ركاب القطار المتجه شمالا أن يتوجهوا إلى رصيف المحطة.." سمع النداء الداخلي, ولم يتحرك فهو بالفعل في وسط الرصيف, والقطار على مشارف المحطة..

"تشبه هذه اللحظة لحظة ولادتي" هكذا قال لنفسه, فهو ولد في وقت محسوب, ربما تأخر قليلا نتيجة أسباب قدرية تم وضعها مسبقا, كما يتأخر القطار أحيانا نتيجة عاصفة, أو غيمة أو نقص في موارد طاقته.. إنه فقط القدر.

ينتظر الطفل حين ولادته والداه, جدته وجده, يصيحون مهلّلين .. مكبّرين لحظة وصوله, كذلك لحظة وصول القطار, شعور بالفرحة, وكأنه يحمل في ظهوره سرًا تفاؤليًا خاصًا.

ينتظره ناظر المحطة, ليطمئنه أنّه وصل آمنًا, فقائد القطار حين يرى ناظر المحطة يطمئن أنّه وصل, ولا يطمئن قبلها, كأنه الأمان, كذلك يهدي الناظر القطار طريقه, ويزوده بطاقة تعينه على الحركة, ويفحصه فحصا دقيقا يؤهله لإكمال المسيرة, ويساعده بمجموعة من التعليمات والتوجيهات على الوصول للمحطة التالية.

في الحقيقة.. فالقطار ينطلق في رحلة بين محطتين, حتى وإن مرّ على أكثر من ذلك, فهو بوصوله لواحدة وتجاوزه إيّاها, يكون بصدد الوصول للثانية, فحياته كلها محصورة بين محطتين, حتى عندما يصاب القطار بعطب, ويبلغ السائق قائد المحطة, فإنه يقول له: "أنا بين محطتي كذا وكذا", وكلما نجح في الوصول لواحدة لا يلبث إلا ويسعى إلى الأخرى, فلن يبرر له أنه قطع مائة محطة وتقاعس فيما بعدها.

**

"انطلقت صافرة القطار معلنة انطلاق القطار, جمع حاجياته, وانطلق وقلبه معلق عليها, فوجدها تدخل أمامه, ويالجمال تلك الصدفة, أن تجلس أمامه".

عقدت مع الرواي اتفاق, هو يحكي روايته كما يحب, وأنا أحكي الأخرى, وإن كنت أظن أن غرضه منها ليس كما يجب أن يكون غرض الأديب, وليس كما يجب أن يكون الغرض من الأدب نفسه, فالأدب سمو بالكلمة على المعاني الجامدة لها, منطلقا بها في فضاء رحب من الصور والتشبيهات التي تصنع خيالا مفيدا, ممتعا, غير ضار.

بدأ القطار يغادر المحطة, ولم يدرك هذا إلا بعد أن شارف منتصف القطار أن يصل إلى نهاية المحطة, فانطلق يعدو خلفه وأشياءه كحياته, تتناثر هنا وهناك, فهو قد وضع أمامه هدفا, وهو أن يصل إلى القطار ويستقله, وبالفعل وصل إليه, وبعد أن اطمأن على نفسه داخل القطار, وتحسست قدماه مكانه, نظر من النافذة, فوجد أرض المحطة تبتعد وأشياءه متناثرة على أرضها, وهكذا كانت حياته, يضيع نجاحه بين الطرق والوسائل غير المناسبة, والسعي إلى الهدف في أزمنة خاطئة, كذلك كان قلبه.

**

"بحث عنها بين الجلوس, فوجدها جالسة, والنافذة إلى يمينها, سار إلى المكان المقابل لها وجلس, وجعل النافذة إلى يساره, ونظر كلاهما من النافذة, ترى ماذا رأت ؟؟, أحيانا يرى اثنان الصورة نفسها, ولكن يفهم كل واحد منهما فهما مغايرا للآخر".

نعم هذا هو الرواي.. أظن أني لم أعد بحاجة أن أفرق بين روايته.. وروايتي, فهو قد وعدني أنه لن يخرج مرة أخرى "عن إطاري".

**

جلس في القطار على كرسي مشابه لكرسيه, أو ربما هو كرسيه, لا يهم.. كل الناس يجلسون في حياتهم على أي كرسي, المهم أني أحمل تذكرة, تذكر الوجه الجميل الذي رآه, وتذكر رأيه فيه, وراح في نوم عميق.

استيقظ على صوت ندي, تنبه.. نظر حوله, وجدها خلفه, امرأة.. ربما تصغره بعام, أو ربما عامان, تتمتم بكلمات لا يصل إليه منها شيء, ربما غناء.. أو دعاء, تمنى لو أنه لم يستيقظ كل الاستيقاظ وظل في سنة النوم حتى يستمع لصوتها العذب مرة أخرى.

**

"حاول أن يتجاذب معها الحديث, سألها عن الوقت, وهو لا يهمه كم منه تبقى, أو كم من عمره مضى, ما يهمه هو أن يصل إليها, فهي ملهمته, وسر حياته, وأنشودة بقائه..

وبعد وقت, وصل القطار إلى محطته الأولى, وتوقف ليتزود.. أدت هذه الوقفة إلى حركة مباغتة.. جعلتها تفقد توازنها, فسقطت, او أنها تساقطت, كحورية بحر رائعة, تقفز في الهواء قفزات, فتسلب لبك ثم تغرق بك في بحر من الحب, والعشق, والرغبة"

هذا الراوي لا يحترم وعوده.. فهو لا يريد أن يكون خلوقا في روايته, أغضبني كثيرا, استخدامه للألفاظ, وتشبيهاته لا يمكن أن تدل إلا على رغبة, يحاول أن يلصقها في كلمة الحب.. والحب بريء من تشبيهاته.

كلماته بمفردها لا تدل على سيء, على عكس ما جمع منها (الحب, العشق, الرغبة, ملهمته, سر حياته, أنشودة بقائه...) كلماته تنم عن فكر خاوٍ, وحب مغلوط.

الحب أسمى من أن يكون مجرد رغبة, مرتبطة بنشوة, مرتبطة بلحظة.. الحب أسمى من أن ينبت في لحظة, ويتعاظم في أخرى, بل إنّ الأيام والسنين تزيد في عراه, كل يوم بعروة, وكل عام بعروة.. لا يفله الحديد, ولا يقطعه بريق الماس, ولا غناء الكأس, أو رنين المال, وصخب النساء.. الحب شعور سام لا يمكن ان يشعر به هذا الراوي, كما أنه لا يمكنه أن يرى حقيقة نفسه, إلا كرجل يبحث عن امرأة جميلة.

**

تذكر المرأة على الرصيف, جمالها الأخاذ, ورائحتها الفاتنة, ولكنه جمال الطين, حين يشكل جيدا, ويبقى خاويا, دون معنى يحويه, أو فكرا يدعو له, أو هدفا يسعى إليه.

ضحك في نفسه وقال :"دائما.. يجلس الحب على كرسي غير الكرسي الذي أنظر إليه.. ويشغلني", كذلك القدر كله, فالله سبحانه وتعالى أمرنا بالسعي في الرزق, ولكن العجيب, أو ربما الطبيعي أن يحدث نظرا لأن الرزق معجزة, لعلك تؤمن, لعلك تعود, فهو أن الرزق دائما يأتي من باب غير الباب الذي طرقته, وبوسيلة لم تخطر على بالك, كذلك الحب دائما يجلس على كرسي آخر, غير الذي كنت تطمع فيه.

..

-------
كتبت هذه الكلمات كبداية قصة أو رواية, ولكن ربما لتغير في ظروفي النفسية, أو تلك المحيطة بي لم أستطع إكمالها.. أو التعديل في حبكتها, ربما أكملها يوما ما.. أو يكملها الراوي..

الإثنين، ٦ أبريل، ٢٠٠٩

بين واحدة.. وأخرى

كنت أحلم بواحدة..
أفقت فوجدت نفسي حلم أخرى.

**
أحببت واحدة حتى النخاع..
وأمسكتني أخرى حتى الممات..

**

أحببت واحدة وأحبتني أخرى..
وصلت الأخرى لمبتغاها.. ولم أصل.

**

أنا مِلك واحدة.. ومَلك أخرى..

**

تركت واحدة وتركتني أخرى..
أما التي تركتها فليس باختياري..
وأما التي تركتني إنما.. باختيارها.

**
أزعجهم ذات مرة أن..
وجدوني أقلب في دفاتر الذكريات..
يبدو أنهم يخشون من واحدة على الأخرى..
رغم أن الواحدة باتت ذكرى.

**
مجنون أنا.. فلا تعتبوا علي
مجنون وإن ظهر مني العقل
أما عن وجه جنوني.. أني..
أحببت واحدة وطلبت أخرى.

السبت، ٢٨ مارس، ٢٠٠٩

سأغير العنوان..

أرسلتُ رسالة في الفضاء..
معلنًا أنّي "سأغيّر العنوان..
نعم: عنوان بيتي الذّي تعرفُه"

ولكن.. ما استطعت..
فكل شيء هنا يذكرني بك..
ويذكرني أيضا.. بنفسي

فإن كنت لا أريد تذكرك..
فإني.. لا أريد أن أنسى نفسي..

لذا.. فقد قررت أن أعيد ترتيبه
حتى إذا عدت لا تعرفه..

بدلّت كل شيء..
لون الجدار..
إضاءة الفناء..
أعدت ترتيب الأثاث..

غيرت شكل المنضدة..
غيرت نوع الزهور ..
نقلت مكتبته.. وكتبه..
بدلت باب البيت..
غيرت لونه ..
هيأت كل شيء..
حتى إذا عاد.. ضلّ الطريق..
ولم يجدني .. وظن أنّه قد حرم مني..

ولكن في غمرة الانشغال..
وتغيبر العنوان.. وهيئة المكان
والبحث عن طريقة للتخفّي..
يبدو أني نسيت أن أغيّر المفتاح !!
مسموح النقل والإقتباس بشرط الإحالة لمدونة لافتات على الطريق